
التقييم 5/5
“إن الغاء الرِّقّ متوافق مع روح القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإسلام” الشيخ محمد عبده
يختتم الدكتور هشام العوضي كتابه بأن تاريخ العبيد في الخليج العربي تعرض لعملية “إسكات” مقصودة، ليس بالضرورة “رغبة في تزييف الذاكرة الجمعية بالضرورة، ولكن العمل على صناعة ماضٍ صديق وغير مُحّرج لنسل العبيد الذين تم عتقهم، وأصبحوا اليوم جزءاً عضوياً في المجتمع الخليجي. قصد الإسكات إلى إتاحة الفرصة لتناسي الماضي، وإعادة بناء هوية جديدة تمكِّن أحفاد تلك الفئة من المجتمع من الانصهار في المجتمع الخليجي من دون إحراجات”.
أول مرة سمعت فيها عن الدكتور هشام العوضي كانت بسبب بودكاست “جلسة كرك” في الحلقة رقم 156 بعنوان “تاريخ العبيد في منطقة الخليج“. اكتشفت لاحقًا أن لديه كتابًا عن الموضوع نفسه وللأسف، وكما يذكر الكاتب، فإن تاريخ هذه الفئة من البشر “المهمشين” -كما يسميهم- غير موجود بكثرة باللغة العربية. فالأمر بالنسبة للكثيرين يتوقف عند الدولة العباسية، ولم يُسمع عنهم مرة أخرى، بالرغم من أن آخر دولة عربية تم فيها إلغاء نظام الرِّق كانت عمان عام 1970م، أي منذ 55 سنة فقط!
المؤلف هو أستاذ مادة التاريخ في الجامعة الأمريكية بدولة الكويت. لقد قام بكتابة هذا المؤلَّف رغبةً منه في الكتابة عن فئة من البشر تم تهميشها عمداً في سرد تاريخ بلدان الخليج العربي. يقدم خلال ستة فصول نظرة عامة ومبسطة عن تجارة العبيد في القرن التاسع عشر، الذي يمثل ذروة تجارة العبيد في العصر الحديث. كانت هذه الذروة نتيجة لزيادة الطلب الأوروبي على اللؤلؤ والقرنفل والتمر العربي. ومثلما كانت هذه التجارة سبباً في ازدهار تجارة العبيد، كانت هي أيضاً سبباً رئيسياً في إنهائها بعد انهيار تجارة اللؤلؤ بسبب الإنتاج الياباني، وانهيار الطلب على التمور بسبب نجاح أمريكا في زراعة أفضل أنواع التمور العربية. وختاماً، أدى اكتشاف النفط في الخليج إلى توليد رؤوس أموال جعلت الحاجة إلى العبيد غير مهمة، وأخيراً تصدر بريطانيا للمبادرة بتولي مهمة إلغاء تجارة العبيد في العالم وقد مارست ضغوطات على الحكام العرب لإلغاء “الرِّق” ولاحقاً كان شرطاً للانضمام لـ”عصبة الأمم المتحدة”.
“أرجو من الناس أن تفهم أن فكرة العبودية لا ينبغي أن تكون مصدر خجل شعب معين ولا أن تُفهم كشتيمة، هذا ظلم تعرض له مجموعة من البشر نتيجة طمع وشبق وظلم مجتمع أصبح أعمى في سبيل سرقة البشر.” دكتور هشام العوضي في بودكاست “جلسة كرك” حلقة 156
في الفصول الأول والثاني والثالث، يسرد الكاتب العديد من القصص التي توضح الحياة الاجتماعية والاقتصادية للعبيد في الخليج: كيف كانوا يتزوجون، وما هي وظائفهم، وماذا يحدث لو أراد عبد أن يحصل على حريته، وماذا عن العبيد الإناث. يناقش أيضاً دور العبيد في الحروب، وما هي تجارة اللؤلؤ التي اشتهر بها الخليج العربي، وكم عدد العبيد الذين ساهموا في هذه التجارة، وما هي القوانين المنظمة لهذه التجارة بين العبيد وأسيادهم وبين البحارة وتجار اللؤلؤ. يتناول أيضاً من أين كان يتم استجلاب العبيد وكيف، وإلى أين يتم توريدهم وكيف كان يتم بيعهم، وأين تقع أشهر أسواق تجارة العبيد، وما هي أكثر الدول تجارةً في العبيد. ويطرح تساؤلات حول مصير العبد إذا مات سيده أو أساء معاملته وكَبُر في العمر ولم يصبح قادرًا على العمل، وماذا يحدث للإناث “ملكات اليمين” إذا تزوجن من أسيادهن، وما تأثيرهم في الثقافة والفن واللغة لأهل منطقة الخليج. كما يشير إلى أن عدد العبيد الذين ولدوا في الرِّق (أي من أبوين كانا عبدين) يمثل 90% من عدد العبيد في القرن العشرين (وقت انتهاء الرِّق)، وأن هؤلاء الـ 90% لم يكن آباؤهم أو أجدادهم عبيدًا من الأصل، بل كانوا أناساً أحراراً تم اختطافهم من دول أخرى وبيعهم كعبيد. بل هناك من كانوا يأتون في رحلات طويلة بهدف الحِج ويتم خداعهم وبيعهم كعبيد في مكة!
“من المعروف أن موقف الشريعة الإسلامية من الرِّقّ، يحث على فق الرِّقّاب، ومن المعروف أيضاً من الرِّقّيق الموجود في العصر الحاضر قد تخلّفت فيه كثير من الشروط الشرعية، التي أوجبها الإسلام لإباحة الاسترقاق. فهد واجهت الدولة السعودية، منذ تأسيسها، مشكلة الرِّقّ والرِّقّيق، وعملت بجميع الوسائل التدريجية للقضاء عليه، فمنعت في أول الأمر استيراده، وفرضت العقوبات على ذلك، ثم منعت مؤخراً بيعه أو شراءه. وتجد الحكومة الآن الفرصة مواتية لأن تعلن إلغاء الرِّقّ مطلقاً وتحرير جميع الأرقاء، وستقوم الحكومة بتعويض من يثبت استحقاقه للتعويض” بيان إلغاء الرِّقّ في السعودية العالم 1962م
يخصص الكاتب الفصل الرابع للسعودية وموسم الحج وكتابات بعض المستشرقين الذين كانوا يدخلون خفيةً إلى السعودية ليكتبوا عنها. يروي قصة مجموعة من العبيد كان يتم جلبهم من النوبة والحبشة بشكل خاص، يُسمون “الأغوات”، للخدمة في الحرم المكي. يسرد أيضاً حياة العبيد في مكة وكيف كانت تختلف عن باقي دول الخليج، وأنهم كانوا يمثلون -أي العبيد- ثلث عدد سكان السعودية (الجزيرة العربية).
في الفصلين الخامس والسادس، يتناول الكاتب بداية الإجراءات التي أدت لنهاية تجارة العبيد في البحر أولاً ثم البر، من خلال عقد اتفاقيات ومعاهدات بين بريطانيا وحكام دول الخليج، والتي قوبلت بالرفض التام في البداية، ثم تدرج الأمر إلى أن أعلنت أول دولة خليجية، وهي البحرين، عن إلغاء نظام الرِّق ومنع تجارة العبيد عام 1937م. وكانت آخر الدول هي السعودية بقيادة الملك فيصل عام 1962م وعمان بقيادة السلطان قابوس بن سعيد عام 1970م. واختتم الكاتب بالفصل السادس بعنوان “موقف العلماء من إلغاء نظام الرِّقّ”، والذي عرض فيه آراء بعض العلماء المسلمين المعارضين لإلغاء الرِّق لأنه غير مُحرّم في الإسلام، وأنه أحد أسباب زيادة أعداد المسلمين بسبب اعتناق العبيد للدين الإسلامي والتكاثر مع العبيد من الإناث. كما ذكر أن مناداة الغرب لإلغاء الرِّق لم تكن بنية صالحة، بل فقط لإخضاع الحكام العرب لهم ونزع أحد أكثر مصادر الاقتصاد لهذه الدول، وأن العبيد في العالم العربي والشريعة الإسلامية يختلفون بشكل كبير جداً عن العبيد في الغرب مثل بريطانيا وأوروبا وأمريكا. وعرض أيضاً آراء بعض العلماء المؤيدين لإلغاء الرِّق، والذين كان في مقدمتهم العلماء المصريون مثل محمد عبده ومحمد رشيد رضا، لأن الإسلام يحث على عتق العبيد وأن الأصل في الناس هو الحرية، مستشهدين بالحديث النبوي “شر الناس من باع الناس”، ولأن العبيد في العصر الحديث لا تنطبق عليهم الشروط الشرعية لاسترقاقهم؛ فلا هم سبايا حروب مع غير المسلمين ولا هم مولودون عبيداً، بل الكثير منهم تم اختطافه من بلاده وبيعه كعبد. فقد وصل الأمر إلى أن “حركة محمد بن عبدالوهاب كانت تعتبر أن المسلمين الذين لا يتبعون مذهبها مشركين، مما يجيز لها أخذ الغنائم، ونهب الممتلكات، وفرض الجزية، واسترقاق النساء والأطفال” ص194
أخيرًا، الدكتور هشام العوضي لديه صفحة على إنستجرام ينشر فيها مقاطع صغيرة عن التاريخ بشكل جميل، ولديه أيضًا قناة على يوتيوب يضع فيها بعض المقاطع المُجمّعة له من “تيك توك” و”إنستجرام”.
الغلاف جميل، وهي صورة لـ البحرية الملكية البريطانية تعترض مركباً شراعياً يحمل عبيداً بالقرب من زنجبار 1876- 1877م (المتحف البحري الوطني في لندن)
الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر
الطبعة الثالثة: 2023
عدد الصفحات 240
الترقيم الدولي 9786144721582
















