التصنيف: تاريخ وسياسة



  • التقييم 5/5

    “إن الغاء الرِّقّ متوافق مع روح القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإسلام” الشيخ محمد عبده

    يختتم الدكتور هشام العوضي كتابه بأن تاريخ العبيد في الخليج العربي تعرض لعملية “إسكات” مقصودة، ليس بالضرورة “رغبة في تزييف الذاكرة الجمعية بالضرورة، ولكن العمل على صناعة ماضٍ صديق وغير مُحّرج لنسل العبيد الذين تم عتقهم، وأصبحوا اليوم جزءاً عضوياً في المجتمع الخليجي. قصد الإسكات إلى إتاحة الفرصة لتناسي الماضي، وإعادة بناء هوية جديدة تمكِّن أحفاد تلك الفئة من المجتمع من الانصهار في المجتمع الخليجي من دون إحراجات”.

    أول مرة سمعت فيها عن الدكتور هشام العوضي كانت بسبب بودكاست “جلسة كرك” في الحلقة رقم 156 بعنوان “تاريخ العبيد في منطقة الخليج“. اكتشفت لاحقًا أن لديه كتابًا عن الموضوع نفسه وللأسف، وكما يذكر الكاتب، فإن تاريخ هذه الفئة من البشر “المهمشين” -كما يسميهم- غير موجود بكثرة باللغة العربية. فالأمر بالنسبة للكثيرين يتوقف عند الدولة العباسية، ولم يُسمع عنهم مرة أخرى، بالرغم من أن آخر دولة عربية تم فيها إلغاء نظام الرِّق كانت عمان عام 1970م، أي منذ 55 سنة فقط!

    المؤلف هو أستاذ مادة التاريخ في الجامعة الأمريكية بدولة الكويت. لقد قام بكتابة هذا المؤلَّف رغبةً منه في الكتابة عن فئة من البشر تم تهميشها عمداً في سرد تاريخ بلدان الخليج العربي. يقدم خلال ستة فصول نظرة عامة ومبسطة عن تجارة العبيد في القرن التاسع عشر، الذي يمثل ذروة تجارة العبيد في العصر الحديث. كانت هذه الذروة نتيجة لزيادة الطلب الأوروبي على اللؤلؤ والقرنفل والتمر العربي. ومثلما كانت هذه التجارة سبباً في ازدهار تجارة العبيد، كانت هي أيضاً سبباً رئيسياً في إنهائها بعد انهيار تجارة اللؤلؤ بسبب الإنتاج الياباني، وانهيار الطلب على التمور بسبب نجاح أمريكا في زراعة أفضل أنواع التمور العربية. وختاماً، أدى اكتشاف النفط في الخليج إلى توليد رؤوس أموال جعلت الحاجة إلى العبيد غير مهمة، وأخيراً تصدر بريطانيا للمبادرة بتولي مهمة إلغاء تجارة العبيد في العالم وقد مارست ضغوطات على الحكام العرب لإلغاء “الرِّق” ولاحقاً كان شرطاً للانضمام لـ”عصبة الأمم المتحدة”.

    “أرجو من الناس أن تفهم أن فكرة العبودية لا ينبغي أن تكون مصدر خجل شعب معين ولا أن تُفهم كشتيمة، هذا ظلم تعرض له مجموعة من البشر نتيجة طمع وشبق وظلم مجتمع أصبح أعمى في سبيل سرقة البشر.” دكتور هشام العوضي في بودكاست “جلسة كرك” حلقة 156

    في الفصول الأول والثاني والثالث، يسرد الكاتب العديد من القصص التي توضح الحياة الاجتماعية والاقتصادية للعبيد في الخليج: كيف كانوا يتزوجون، وما هي وظائفهم، وماذا يحدث لو أراد عبد أن يحصل على حريته، وماذا عن العبيد الإناث. يناقش أيضاً دور العبيد في الحروب، وما هي تجارة اللؤلؤ التي اشتهر بها الخليج العربي، وكم عدد العبيد الذين ساهموا في هذه التجارة، وما هي القوانين المنظمة لهذه التجارة بين العبيد وأسيادهم وبين البحارة وتجار اللؤلؤ. يتناول أيضاً من أين كان يتم استجلاب العبيد وكيف، وإلى أين يتم توريدهم وكيف كان يتم بيعهم، وأين تقع أشهر أسواق تجارة العبيد، وما هي أكثر الدول تجارةً في العبيد. ويطرح تساؤلات حول مصير العبد إذا مات سيده أو أساء معاملته وكَبُر في العمر ولم يصبح قادرًا على العمل، وماذا يحدث للإناث “ملكات اليمين” إذا تزوجن من أسيادهن، وما تأثيرهم في الثقافة والفن واللغة لأهل منطقة الخليج. كما يشير إلى أن عدد العبيد الذين ولدوا في الرِّق (أي من أبوين كانا عبدين) يمثل 90% من عدد العبيد في القرن العشرين (وقت انتهاء الرِّق)، وأن هؤلاء الـ 90% لم يكن آباؤهم أو أجدادهم عبيدًا من الأصل، بل كانوا أناساً أحراراً تم اختطافهم من دول أخرى وبيعهم كعبيد. بل هناك من كانوا يأتون في رحلات طويلة بهدف الحِج ويتم خداعهم وبيعهم كعبيد في مكة!

    “من المعروف أن موقف الشريعة الإسلامية من الرِّقّ، يحث على فق الرِّقّاب، ومن المعروف أيضاً من الرِّقّيق الموجود في العصر الحاضر قد تخلّفت فيه كثير من الشروط الشرعية، التي أوجبها الإسلام لإباحة الاسترقاق. فهد واجهت الدولة السعودية، منذ تأسيسها، مشكلة الرِّقّ والرِّقّيق، وعملت بجميع الوسائل التدريجية للقضاء عليه، فمنعت في أول الأمر استيراده، وفرضت العقوبات على ذلك، ثم منعت مؤخراً بيعه أو شراءه. وتجد الحكومة الآن الفرصة مواتية لأن تعلن إلغاء الرِّقّ مطلقاً وتحرير جميع الأرقاء، وستقوم الحكومة بتعويض من يثبت استحقاقه للتعويض” بيان إلغاء الرِّقّ في السعودية العالم 1962م

    يخصص الكاتب الفصل الرابع للسعودية وموسم الحج وكتابات بعض المستشرقين الذين كانوا يدخلون خفيةً إلى السعودية ليكتبوا عنها. يروي قصة مجموعة من العبيد كان يتم جلبهم من النوبة والحبشة بشكل خاص، يُسمون “الأغوات”، للخدمة في الحرم المكي. يسرد أيضاً حياة العبيد في مكة وكيف كانت تختلف عن باقي دول الخليج، وأنهم كانوا يمثلون -أي العبيد- ثلث عدد سكان السعودية (الجزيرة العربية).

    في الفصلين الخامس والسادس، يتناول الكاتب بداية الإجراءات التي أدت لنهاية تجارة العبيد في البحر أولاً ثم البر، من خلال عقد اتفاقيات ومعاهدات بين بريطانيا وحكام دول الخليج، والتي قوبلت بالرفض التام في البداية، ثم تدرج الأمر إلى أن أعلنت أول دولة خليجية، وهي البحرين، عن إلغاء نظام الرِّق ومنع تجارة العبيد عام 1937م. وكانت آخر الدول هي السعودية بقيادة الملك فيصل عام 1962م وعمان بقيادة السلطان قابوس بن سعيد عام 1970م. واختتم الكاتب بالفصل السادس بعنوان “موقف العلماء من إلغاء نظام الرِّقّ”، والذي عرض فيه آراء بعض العلماء المسلمين المعارضين لإلغاء الرِّق لأنه غير مُحرّم في الإسلام، وأنه أحد أسباب زيادة أعداد المسلمين بسبب اعتناق العبيد للدين الإسلامي والتكاثر مع العبيد من الإناث. كما ذكر أن مناداة الغرب لإلغاء الرِّق لم تكن بنية صالحة، بل فقط لإخضاع الحكام العرب لهم ونزع أحد أكثر مصادر الاقتصاد لهذه الدول، وأن العبيد في العالم العربي والشريعة الإسلامية يختلفون بشكل كبير جداً عن العبيد في الغرب مثل بريطانيا وأوروبا وأمريكا. وعرض أيضاً آراء بعض العلماء المؤيدين لإلغاء الرِّق، والذين كان في مقدمتهم العلماء المصريون مثل محمد عبده ومحمد رشيد رضا، لأن الإسلام يحث على عتق العبيد وأن الأصل في الناس هو الحرية، مستشهدين بالحديث النبوي “شر الناس من باع الناس”، ولأن العبيد في العصر الحديث لا تنطبق عليهم الشروط الشرعية لاسترقاقهم؛ فلا هم سبايا حروب مع غير المسلمين ولا هم مولودون عبيداً، بل الكثير منهم تم اختطافه من بلاده وبيعه كعبد. فقد وصل الأمر إلى أن “حركة محمد بن عبدالوهاب كانت تعتبر أن المسلمين الذين لا يتبعون مذهبها مشركين، مما يجيز لها أخذ الغنائم، ونهب الممتلكات، وفرض الجزية، واسترقاق النساء والأطفال” ص194

    أخيرًا، الدكتور هشام العوضي لديه صفحة على إنستجرام ينشر فيها مقاطع صغيرة عن التاريخ بشكل جميل، ولديه أيضًا قناة على يوتيوب يضع فيها بعض المقاطع المُجمّعة له من “تيك توك” و”إنستجرام”.

    الغلاف جميل، وهي صورة لـ البحرية الملكية البريطانية تعترض مركباً شراعياً يحمل عبيداً بالقرب من زنجبار 1876- 1877م (المتحف البحري الوطني في لندن)

     

    الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر

    الطبعة الثالثة: 2023

    عدد الصفحات 240

    الترقيم الدولي 9786144721582

     



  • التقييم 5/5

    أظن أن هذا الكتاب يُعتبر مقدمة لفهم الصراع بين الفلسطيني-الإسرائيلي، ف “إيلان بابيه” هو أحد “المؤرخين الجُدد“، وهؤلاء عبارة عن مجموعة من المؤرخين يدحضون التاريخ الرومانسي لقيام دولة إسرائيل، ويفككون الأساطير التي بُنيَّت عليها الُمخِيلة الإسرائيلية (ويكيبديا).

    في أعقاب حملة الإبادة الجماعية -الجديدة- التي تقوم بها إسرائيل رداً على الهجوم العسكري التي قامت به “المقاومة الفلسطينية” بتاريخ 7 أكتوبر 2023م – سمعت الكثير من الحُجج والمصطلحات التي طالما نشأت عليها منذ صغري ولكني لا أدرك معناها بشكل عميق، مثل: (وعد بلفور 1917 – النكبة 1948 – ازدواجية المعايير للعالم الغربي – الصراع بين اليهود والمسلمين – الموقف المتخاذل للحكومات العربية – القانون الدولي وحق الدفاع – حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها – فلسطين الانتدابية – قرار التقسيم 181…)، وبالطبع كأي شخص “عربي” عامة و”مصري” خاصة نشأ على صورة الشهيد “جمال الدُرّة” وابنه “محمد الدُرّة” في أثناء “انتفاضة الأقصى” في سبتمبر 2000م، وعلى قصص مذابح الإسرائيليين مثل مذبحة “دير ياسين 1948م” و”مذبحة الطنطورة 1948م” في فلسطين، ومذبحة “مدرسة بحر البقر 1970م” في مصر بالإضافة لحرب 1967م و1973م، وأخيراً كوني “مسيحي” الديانة، فأنا مُنحاز بالفطرة ضد لكل ما هو إسرائيلي. أقول “إسرائيلي” وليس “يهودي” لأني تعلَّمت مع الوقت أن “اليهود” بشر مثلي، موجودون بكل بقاع الدنيا، وكانوا موجودين في مصر (قبل طردهم من قبل نظام الرئيس جمال عبد الناصر نتيجة لحالة الهوس العنصري الذي نشأت خلال الحرب بين مصر وإسرائيل، والذين تعرضوا لتهجير قصري في مصر)، واليهودية جزءاً لا يتجزأ من الدين المسيحي والدين الإسلامي.

    لم أكن أعرف أن شرق الأردن كان جزءاً من فلسطين الانتدابية (والتي قسمتها بريطانيا) وصُدِمت خلال قراءتي للكتاب من موقف الملك عبد الله (ملك الأردن) وكيف كان يتفاوض مع الصهاينة ليضمن لنفسه جزءاً من فلسطين ليحتلها في مقابل عدم الاشتباك معهم، وغض الطرف عن مجازرهم للفلسطينيين، وكيف كان يخدع الحكام العرب مُظهراً لهم أنه يحارب الصهاينة وفي ذات الوقت يتفاوض معهم للاتفاق على الغنيمة! وبالفعل استطاع الملك عبد الله أن يأخذ جزءاً من فلسطين (الضفة الغربية وتقدر ب 5860 م2 ما يمثل 21% من إجمالي أراضي فلسطين والتي فقدتها الأردن بعد ذلك في حرب 1967م) وتواطئ مع الصهاينة وتركهم يرتكبون مجازرهم ضد الفلسطينيين، على الرغم من أن الفيلق العربي (الجيش الأردني) هو الجيش الوحيد الذي كان في استطاعته مواجهة الإسرائيليين وذلك لكثرة تعداده وتدريبه وتسليحه الجيدين. فهل قررنا جميعاً (كعرب) أن نغض الطرف عن موقف الملك عبد الله واحتلاله لأراضي فلسطينية بالاتفاق مع الإسرائيليين وذلك لأنه “مُسلم”؟ هل نقبل باحتلال الأراضي الفلسطينية لأن الأول مسلم (الأردن) ونحارب الثاني لأنه يهودي (إسرائيل) والثالث لأنه مسيحي (بريطانيا)؟! هذا ناهيك عن موقف الجيش العراقي والسوري، خاصة الجيش السوري الذي وقف متفرجاً على الحدود ليحمي فقط احتمالية أخذ الإسرائيليين لأراضي الجولان (والذي حدث بعد ذلك وكأنه عقاب إلهي لموقفه المتخاذل). وبالطبع لا ننسى موقف مصر -والعرب عامة- والتي قررت التحرك بعد ما تم تهجير ما يفوق 250000 فلسطيني (هذا إن كنت تنظر إلى أعداد الشهداء بعد طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023م وتتساءل في تعجب، متى يتحرك العرب؟) فالحكومات العربية كما يقول إيلان بابيه: “بلغ الحديث الطنان عن الحرب في العالم العربي ذروة جديدة. لكن الحكومات العربية بصورة عامة لم تذهب إلى ما هو أبعد من الكلام عن الحاجة إلى إنقاذ فلسطين” ص128، “غير أنهم ماطلوا، بقدر ما استطاعوا، وأجّلوا التدخل العسكري المحتم. وعندما تدخلوا كانوا سعداء بإنهائه بأسرع وقت ممكن، كانوا يعرفون تمام المعرفة لا أن الفلسطينيين قد هُزموا فحسب، بل أيضاً أنه لا توجد فرصة أمام جيوشهم في مواجهة مع القوات اليهودية المتفوقة” ص129، “لم يكن هناك نقص في المتطوعين. كثيرون في الدول العربية المحيطة بفلسطين تظاهروا ضد تقاعُس حكوماتهم عن العمل، وآلاف من الشبان كانوا راغبين في التضحية بحياتهم من أجل الفلسطينيين” ص130، وعن الملك عبد الله يقول إيلان بابيه: “في اليوم الأخير من أيار/مايو، قام متطوعون عرب وبعض الوحدات النظامية بمحاولة أخيرة لاستعادة بعض القرى التي كانت ضمن حدود الدولة العربية المرتقبة، لكنهم فشلوا في ذلك. فالقوة العسكرية التي واجهتهم (الإسرائيليون) لم يكن هناك من يمكن أن يكون نداً لها سوى جيش محترف مدرب جيداً، مثل الفيلق العربي (الجيش الأردني). لكن الفيلق دافع فقط عن تلك الأجزاء من الضفة الغربية التي اعتقد الملك عبد الله أنها يجب أن تكون حصته من الغنيمة في مقابل عدم دخوله المناطق التي عقدت الحركة الصهيونية العزم على جعلها جزءاً من الدولة اليهودية. وقد احترم الملك عبد الله وعده حتى نهاية الحرب” ص157، فلا عجب أمس أو اليوم أو غداً من موقفهم. فالجيوش العربية ذات التسليح القديم (منذ الحرب العالمية الأولى) وانعدام التدريب (عدم دخولهم حروب بعكس الإسرائيليين الذين شاركوا قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية) وعدم وجود قيادة حقيقية لم يمثلوا أي تهديد للإسرائيليين. بعكس العصابات المسلحة الإسرائيلية مثل الهاغاناه وبلماخ وشترين والأرغون (أصبحوا بعد ذلك الجيش الإسرائيلي) كانت لديها سلاح مُتقدم من التشييك والاتحاد السوفيتي ولديها سلاح مشاة وطيران ومدفعية وكوماندوز ذو تدريب عالي الكفاءة على التحكم ووضع الخطط الحربية واستراتيجيات الهجوم والدفاع مما ساعدهم في مدة قصيرة (من ديسمبر 1947 حتى يونيو 1948 أي سبعة أشهر) على احتلال 55.7% من إجمالي الأراضي الفلسطينية (15000 م2 كدولة يهودية بموجب قرار تقسيم الأمم المتحدة)، و60% من الأرضي المخصصة للعرب (كانت المساحة المخصصة للدولة العربية بموجب قرار تقسيم الأمم المتحدة 11000 م2 وتمثل 42.3% من مساحة فلسطين الكلية) ومدينة القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة (كانت تشكل 1% من الأراضي الفلسطينية وكان من المفترض أن تخضع لسيطرة الأمم المتحدة). واستطاعت مصر في العام التالي 1949م استرداد (احتلال) غزة واشتبكت الأردن مع الإسرائيليين بقوة واحتلال القدس الشرقية (تُعرف حالياً بالضفة الغربية) وذلك لأن الإسرائيليين كانوا سينقضون اتفاقهم مع “الملك عبد الله” والتراجع عن إعطائه (الضفة الغربية) وفقاً لاتفاقهم المسبق!

    بريطانيا بشكل خاص هي سبب رئيسي في هذا الوضع، كانت بريطانيا تمتلك قوات عسكرية في فلسطين تعدادها 100 ألف جندي، وكانت تستطيع أن تردع الصهاينة بلا شك، ولكن على العكس من ذلك قامت بتدريبهم عسكرياً وتركت لهم مخازن أسلحة وذخيرة ومعسكرات تدريب، بل وشاركت الصهاينة في عمليات التهجير القصري للقرى الفلسطينية. وقتها لم يكن يوجد شيء اسمه الجيش الإسرائيلي، فحقيقة الأمر أن مجموعة من الميليشيات المسلحة مثل الهاناغاه وبلماخ والأرغون وشترين تم تقنين وضعها لتصبح لديها الغطاء القانوني لقتل الفلسطينيين والعرب بدون مسائلة. هذه الميليشيات كانت لديها مدافع ودبابات وطائرات، فتخيل مثلاً أن “داعش” لديها سلاح مدفعية وجوية وكوماندوز وسلاح من روسيا والتشييك، فماذا سيكون رد فعل العالم الغربي؟ قد تستغرب من تشبيهي لهم بـ “داعش” ولكن عندما ترى قوات عسكرية تقوم بقصف المستشفيات والصيدليات والمدارس ومخابز الخبز ومحطات المياه والكهرباء وتلويث آبار مياه الشرب وحرق الأشجار وزراعة المتفرجات في البيوت التي تم تهجير أهلها حتى لا يعودون مرة أخرى وقتل الذكور من 10 سنوات حتى 50 سنة، فهل تستطيع القول إن هذه قوات “جيش نظامي” يلتزم بقواعد قتال؟ بل السؤال الأصعب، هل “داعش” فعلت مثل الصهاينة؟

    بعد الحرب العالمية الثانية كان العالم الغربي (أوروبا وروسيا بالأخص) ضاق صدره من اليهود ويريد التخلص منهم بأي تكلفة، فلم يستقبلهم ودفعهم دفعاً لأن يذهبوا إلى فلسطين، ولذلك سهلوا لهم كل شيء وساعدوهم في التمويل والتسليح والهجرة إلى فلسطين والتدريب العسكري والدعم السياسي العالمي وغض الطرف عن مجازرهم للفلسطينيين، ولم يكن لديه مانع في إعطائهم نصف أراضي فلسطين.

    الكتاب يطرح أسئلة أكثر مما يطرح من إجابات، هل فلسطين دولة مستقلة منذ البداية أم هي أراضي كانت تتبع الإمبراطورية العثمانية، ثم انتقلت إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى نتيجة ما يُعرف بـ “اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916م” التي أعادت ترسيم حدود الأراضي الواقعة تحت سلطة الإمبراطورية العثمانية المُنهزِمة وتقسيم أراضيها بين إحدى الدول العُظمى: أمريكا، وروسيا، وإنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، وكانت أراضي فلسطين من نصيب “بريطانيا”؟ ألم يكن هناك دولة (عربية) فلسطينية يعيش بها مسلمون ومسيحيون ويهود لهم عملة نقدية وجواز سفر ولغة رسمية… إلخ؟ لماذا يرفض الفلسطينيون الإسرائيليون “اليهود”؟ لماذا يكره الإسرائيليون الفلسطينيون؟ لماذا يَعرضون الأمر وكأنهم يتعرضون لـ “هولوكوست عربي” يريد التخلص من اليهود جميعاً؟، وما هو موقف العرب حينها؟ المفكر إدوارد سعيد في رده على السؤال التالي “هل للصهيونيين نصيب تاريخي في أرض إسرائيل؟” أجاب “طبعاً، لكني لن أخُلص إلى أن نصيب اليهود (أو الصهيونيين) هو النصيب الوحيد…” أين أبدأ إذن؟

    خلال متابعتي للميديا شاهدت الكثير من “المؤثرين” العرب وغير العرب، يدعمون القضية الفلسطينية، ويفضحون الإسرائيليين من خلال خطابهم للمجتمع الغربي بلغة إنجليزية جيدة وثقافة تاريخية ومنطق إنساني وإلمام بالقوانين الدولي وكيف أنه بسببّهم بدأ الكثير يعرف عن فلسطين، ويُغيِّر رأيه بعدما اكتشف كذب الدعاية الصهيونية الإسرائيلية، ورأيت التظاهرات الداعمة للفلسطينيين في كل بقاع العالم الغربي، وفي بريطانيا مثلاً أُقِيلَت وزيرة الداخلية بسبب تصريحاتها الواصفة لتلك المظاهرات بأنها “مسيرات كراهية” وطلبها للشرطة لكيما يمنعوا المتظاهرين، ولكن جاء رد الفعل العكسي من الشرطة ومن الشعب بتنظيم أكبر مسيرة في تاريخ بريطانيا في حماية رجال الشرطة، ونتج عنها إقالة تلك الوزيرة. أشاهد كل تأثير هؤلاء في المجتمع العالمي، ويتكرر سؤال في عقلي، هذا السؤال الذي سأله الرئيس المصري -مستنكراً- عبد الفتاح السيسي بـ “ماذا ينفع التعليم في وطن ضائع؟!” أظننا نرى جميعاً ماذا صنع الجهل في وطننا الضائع.

    لا شك في إجرام الإسرائيليون، ولكن كيف استطاعت مجموعة صغيرة من البشر لا يتجاوز عددهم عام 1948م عدة آلاف في احتلال ما يزيد عن 70% من فلسطين التي بالإضافة إلى سكانها العرب البالغ عددهم أكثر من مليون وأربعمائة ألف نسمة فبريطانيا وقتها كانت لديها قوات عسكرية قوامها 100 ألف عسكري؟ وأرجو كعرب أن نتعلم كيف فعلها الصهاينة. فعلوها بالإخلاص والتخطيط العلمي. نعم. ولا عجب. إخلاصهم للهدف (احتلال فلسطين لتكون دولة لليهود) ثم تخطيط العلمي أو كما مثل التعبير الإسلامي “أخذهم بالأسباب”. فعلى سبيل المثال إنشاء جهاز استخباراتي يقوم بعمل ملفات تفصيلية عن القرى الفلسطينية، ولتدرك معنى كلمة “تفصيلية” فيكتب إيلان بابيه: [تتضمن الملفات في فترة ما بعد سنة 1943م وصفاً مفصلاً للزراعة وتربية الحيوانات، وللأراضي المزروعة، ولعدد الأشجار في المزارع، ولنوع وجودة الفواكه في كل بستان (وحتى كل شجرة مفردة)، ولمعدل مساحة الأراض بالنسبة إلى كل عائلة، ولعدد السيارات، ولأصحاب الدكاكين، وللعاملين في الورشات، ولأسماء الحرفيين في كل قرية ونوع مهاراتهم. وفي وقت لاحق، أُضيف إلى ذلك تفصيلات دقيقة جداً عن كل حمولة وانتماءاتها السياسية، والفوارق الطبقية بين الأعيان والعامة، وأسماء الموظفين العاملين في دوائر الحكومة الانتدابية… مع حلول 1945م مزيداً من التفصيلات، مثل وصف المساجد في القرى وأسماء الأئمة فيها، مع صفات مثل “هو رجل عادي”، بل حتى وصف دقيق لغرف الاستقبال داخل بيوت هذه الشخصيات. ومع اقتراب فترة الانتداب من نهايتها، أصبح جمع المعلومات موجهاً بصراحة نحو المعطيات ذات الطابع العسكري، مثل: عدد الحراس (معظم القرى لم يكن لديه أي حراس)، وكمية الأسلحة الموجودة ونوعيتها (بصورة عامة قديمة، أو حتى لا وجود لها)… أين يقطع المختار، وأين يقع الجامع، وأين يسكن أغنياء القرية، ومن كان نشيطاً في ثورة 1936م… أّما آخر تحديث لملفات القرى فقد جرى في سنة 1947م وكان التركيز فيه على إعداد قوائم بالأشخاص “المطلوبين” في كل قرية… من انخرط في الحركة والوطنية الفلسطينية، ووجود علاقات وثيقة بزعيم الحركة، المفتي الحاج أمين الحسيني، والمشاركة في أعمال عدائية ضد البريطانيين والصهيونيين. وكان هناك أسباب أخرى لإدراج أسماء في القوائم، تستند إلى مزاعم مثل: “يُعرف عنه أنه سافر إلى لبنان”، أو “اعتقلته السلطات البريطانية لأنه عضو في اللجنة القومية في القرية”] هذا مجرد جزء بسيط من التخطيط الصهيوني، فهل ترى مدى المجهود والعلم هنا؟ هل عرفت لماذا يهزموننا حتى الآن؟ المرة الوحيدة التي استطعنا أن نتفوق عليهم ونهزمهم كانت في حرب 1973م، هي عندما “أخذنا بالأسباب”. فعلنا مثلهم بالضبط فقد تمسكنا بالإخلاص والتخطيط العلمي وليس مجرد الشعارات الفارغة والأحاديث الطنانة وأهل الثقة من أمثال “برقبتي يا ريس” (ولنا في عهد جمال عبد الناصر والمشير عامر قدوة) وحققنا الانتصار. أمر آخر ساعد الإسرائيليين في نجاحهم علينا هو غباء السياسة العربية، فلا يوجد تفاوض أو خطاب سياسي عربي واقعي، وحالة من الاستعلاء الكبرياء والرفض بشكل عام ودائم! في حين أن الإسرائيليين طوال الوقت يخاطبون الغرب ويتوددون له ويقنعون الغرب بأنهم ضحية ويجب أن يقفوا بجانبهم ويدعموهم وأن مصالح الغرب مع الإسرائيليين وليس العرب وحملات تمويل لرجال السياسة والأحزاب السياسية الغربية والمشاركة السياسية وتشكيل جماعات ضغط “لوبي” وتبنّي لغة سياسية تستهدف العقل الغربي بعكس العرب الذين لا يتحدثون إلا إلى أنفسهم ويرون كل هؤلاء مجرد كفار وبلا يجب التعامل معهم. مرة أخرى كلمة السر “الأخذ بالأسباب”.

    جزئية أخرى مهمة أراها الآن من خلال متابعتي للميديا التي تتحدث عن ما يدور داخل المجتمع الإسرائيلي بعد طوفان 7 أكتوبر 2023م، وهي أنه لا يوجد شيء اسمه “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” فلك أن ترى برامج على اليوتيوب تقوم بترجمة ما تتحدث عنه الصحافة الإعلام الإسرائيلي مثل: “برنامج شو قالوا بالعبري من تقديم ليلى عبده” وبرنامج “المخبر الاقتصادي من تقديم الدكتور أشرف إبراهيم” وبرنامج “نعرف من تقديم الصحفي سيد جُبيل” وترى بعينيك كيف أن الاعلام المرئي والمكتوب يهاجم الحكومة ونتنياهو ويتظاهرون ويطالبون بمحاكمتهم، وكيف ترى مثلاً الصحافة الإسرائيلية تنشر تحقيقات تكشف كيف أن الإسرائيليون قتلوا يهود يوم 7 أكتوبر بالخطأ، والنشر الدائم لفشل الصهاينة في حربها على غزة وقتل القوات الجوية الإسرائيليين للجنود الإسرائيليين بالخطأ، وتستطيع أن ترى مقاطع الفيديو للقنوات التليفزيونية الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية التي يظهر فيها المُتطرف الإسرائيلي التي يطالب بالقضاء على العرب جميعاً ويقف في صف نتنياهو  والمنتقد لإسرائيل والساخر من فشل إسرائيل والحكومة والجيش في القضاء على المقاومة الفلسطينية. هذا فقط في إسرائيل، فما بالك في باقي دول العالم.  ولتقارن ذلك بـ (كــــــل) الدول العربية، ولن أقول أكثر من ذلك.

    في نهاية الكتاب يتعرض الكاتب لموضوع خطير بشكل عام، ويزداد خطورة بشكل خاص في عالمنا العربي وهو “تزييف التاريخ”، فإسرائيل تقوم بشكل مِتعمَد بتغيير الرواية التاريخية لأحداث النكبة بل وتاريخ فلسطين أو كما يسميها إيلا بابيه “إعادة ابتكار فلسطين”، وذلك من خلال لجنة رسمية تُسمى “لجنة التسميات الرسمية”، وهي لجنة تأسست عام 1920م مكونة من مجموعة الخبراء بعلم الآثار والعلوم التوراتية ومهمتها هي “عبرنة جغرافية فلسطين” أي إطلاق أسماء عبرية على الأماكن والأراضي التي كان اليهود يشترونها قبل النكبة أو استولوا عليها خلال وبعد النكبة. وحولها بن-غوريون عام 1949م إلى شعبة تابعة ل “الصندوق القومي اليهودي” وهو الصندوق الذي كان منوط به شراء الأراضي الفلسطينية والذي أصبح الهيئة الرسمية للتي تمتلك كل الأراضي الفلسطينية التي أستولت عليها إسرائيل ويضع القوانين المتعلقة ببيع وشراء وإيجار الأراضي.

    من خلال “لجنة التسميات الرسمية” و”الصندوق القومي اليهودي” تقوم إسرائيل بتهويد (إطفاء الطابع اليهودي) على فلسطين باستبدال جميع الأسماء العربية للمناطق والشوارع والجبال بأسماء عبرية، وحتى استبدال النباتات الطبيعية بنباتات أخرى غريبة عن الجغرافية الفلسطينية ويسرد الصندوق القومي اليهودي من خلال موقعة الاليكتروني بسرد تاريخ خيالي ومُضلّل عن الأماكن والحدائق العامة ويتعمّد إخفاء أسمأء القرى الفلسطينية والشوارع التي تقوم على أنقاضها أماكن عامة مثل الحدائق العامة (غابة بيريا، وحديقة رامات مِنَشّيه، وغابة القدس) هذا بالطبع بخلاف الأبحاث العلمية في الجامعات الإسرائيلية.

    إسرائيل تتابع الشأن العربي بدقة، تقوم بمشاهدة أفلامه ومسلسلاته وترجمة الأدب والسياسية العربية والقيام باستثمارات مالية ضخمة مع العرب وتبيع للحكومات العربية تكنولوجيا أمنية وزراعية وسياحة وشركات متعددة الجنسيات وتشتري من العرب مواد غذائية ولديها مراكز بحثية وقامت بالتطبيع مع الكثير من الدول العربية (كانت لديها مشاورات مع السعودية لولا طوفان الأقصى الذي خرب عليها الأمر) إلى آخره. حسناً، متى آخر مرة شاهدنا -كعرب- فيلم أو مسلسل إسرائيلي؟ قرأنا رواية أو قصة إسرائيلية؟ قرأنا صحافة إسرائيلية؟ كم كتاب أو بحث عن إسرائيل؟

    هذا الكتاب مهم جداً، وكما قُلت، يُشكِّل مقدمة جيدة لفهم عمق القضية الفلسطينية.  لا يوجد لدي أدنى شك في زوال هذا الاحتلال وأقول ذلك ليس من منطلق إيماني فقط، ولكن أيضاً من منطلق قوانين الطبيعة. إن كنت شاهدت الحلقة البديعة لبرنامج “الدحيح” بعنوان “فلسطين: حكاية الأرض” فأقول لك أنها تمثل مجرد المقدمة لهذا الكتاب. الكتاب مؤلم جداً وطوال قراءتي وأنا أزداد غضباً على الفرص الضائعة وحالنا المُخزي ووضعنا المأساوي. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الكاتب إسرائيلي، فما بالك لو كان الكاتب فلسطيني، كيف كانت ستكون التفاصيل أكثر دقة واللغة أكثر إيلاماً.

    أخر شيء يجب أن ننتبه له، وهذا نابع كوني “مسيحي” الديانة، وهي أنه دائماً الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي كصراع بين الديانة اليهودية والديانة الإسلامية ويتم تجاهل (بدون قصد) المسيحيين! ولكن من خلال الكتاب ترى كيف أن المسيحيين في كل مرة يتم إغراؤهم بعدم طردهم من القرى في مقابل التعامل مع الإسرائيليين أو إمضاء اتفاقيات معهم كانوا يرفضوا بشكل قاطع ويختاروا جيرانهم وإخوتهم المسلمين مما كان يعرضهم للقتل والترحيل والتعذيب مثل المسلمين تماماً وذلك بعكس “طائفة الدروز” الذين اختاروا التعاون مع الصهاينة وحملوا السلاح معهم وأرشدوهم على القرى الفلسطينية والفلسطينيين وأملاكهم. فالصهاينة دائماً يصورون الصراع وكأنه صراع ديني حتى يستطيع استدراج الغرب المسيحي أو الملحد (الذي يتبنى العلمانية بشكل عام) لصفه وفي هذه الساحة يخسر الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص لما يتعرض له من هجوم شديد منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، فلك أن تعرف أنه تم فرض تغيير جزري في المناهج التعليمية السعودية بحذف كثير من النصوص التي تتحدث عن “الجهاد” وبالأخص نصوص للعالم الإسلامي الأشهر “ابن تيمية”، فالغرب استغل احداث “الحادي عشر من سبتمبر” ليضغط على الحكومات العربية ويحمّلها نتائج الفعل الإرهابي وجعلهم يدعمون أشخاص وهيئات ومؤسسات لا تقوم بشيء غير مهاجمة الدين الإسلامي وتشويهه. بالتالي عندما أرى كعربي بشكل عام ومسيحي بشكل خاص انه يتم جاهل تاريخي في هذا الصراع وهذه الأرض يصيبني الغضب قبل الحزن، فأنا خير مثال أن الصراع ليس ديني، بدليل أنني جنباً إلى جنب أخي المسلم أنزف معه وأموت معه فلماذا تجاهلني؟ أرجوك أن تتحدث عني، بل وأرجوا أن تجعلني متحدثاً رسمياً بالنيابة عنك، فذلك سيجعل الغرب يرى حقيقة الأمر بأنه دفاعاً عن أرض ومحاولة لاسترداد تاريخ وليس حرب دينية لأننا مسلمين نكره اليهود!

    أخيراً، فلسطين ليست رفاهية. فلسطين هي الحدود الملاصقة لكل من مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان. المسيح فلسطيني. أول قِبّلة للصلاة في الإسلام هي فلسطين. فلسطين جزء أساسي من الحضارة الإنسانية والتاريخ البشري فاليهودية والمسيحية والإسلام يمثلوا الآن ما يزيد عن 4.1 مليار نسمه. أما إسرائيل فهي سُبّه في وجه البشرية عامة والعرب خاصة. فلسطين هي الجرح الدامي في قلوبنا.

    حين ترى فلسطيني يصرخ في وجهك ويعاتبك على فرحتك في عمليات المقاومة الفلسطينية بينما هو وعائلته تموت جوعاً وعطشاً وألماً فلا تغضب. أنت لستَ في موضعه. أنت جالس على سريرك في الدفأ وتشاهد عبر شاشة الهاتف مقاطع المقاومة الفلسطينية وتطَرُب فرحاً، أما هو فيجلس في البرد القارص لا يجد طعام أو ماء دافئ أو شاش يُضمّد به جراحه أو مكان خلاء يقضي فيه حاجته. يرى أطفاله وأحبّاءه أشلاء لا يستطيع حتى أن يذهب ليدفنهم. أسرته تموت بالبطيء أمام عينه فلا يوجد علاج يوقف النزيف أو يُسكِّن الألم وليس في استطاعته أن يفعل شيء لهم ليخفف عنهم. وأيضاً لا تنسى المرابطين المجاهدين ولا تتبنى الرواية التي تقوم على شيطنتهم والادعاء بأنهم لا يهتمون بموت الفلسطينيين، فهؤلاء يقدمون أرواحهم في سبيل تحرير الأرض.

    فكما قال “وائل الدحدوح”: “معلش” فهذه كما قال “الشيخ نزار ريان”: “متعيطش يا زلمة… هذه أرض جهاد” وأحب أن أقتبس قول شاب فلسطيني: “الي بركض حافي من دار لدار يخبط دبابة ولا جرافة هادا إلي بنعوِّل عليه مش إلي قاعد بعيط وبقول الحق عالمقاومة وع حماس الي وصلتنا لهنا”

    السبب هم الصهاينة، من قتل وأباد ورحّل وعذّب وسجن ومنع الغذاء والماء والدواء والحياة بشكل عام هي المحتل الصهيوني الإسرائيلي وليست المقاومة. وأرجو من الفلسطينيين أن لا يأخذونا بذنب حكوماتنا.

    الترجمة ممتازة٫ والغلاف مؤلم

     

    ترجمة: احمد خليفة

    الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية

    الطبعة الثانية: يناير 2022

    عدد الصفحات 347

    الترقيم الدولي 9786144480908



  • إن الحاقد يؤمن بقائد لم يُثبت قط قيادته لكن “هولندا بدونه بلا مستقبل” فيُحيل مسؤوليته لمهندس سابق يُشكل مصطلحاته وهيئته ووجهه على أمثلة أجنبية، كمثل الضفدعة في الأسطورة التي تنتفخ بالكبرياء الوطني

    كتاب صغير جداً، للكاتب الهولندي “مينو تير براك – Menno ter Braak” وُلِدَ عام 1902م وانتحر عام 1940م عند غزو “هتلر” هولندا. كان الكاتب من القلة التي حذرت من صعود “النازية” كحركة قائمة على “الحقد والضغينة” وأن هدفها ليس سوى الخراب، وليس الديموقراطية أو المساواة كما تدّعي.

    في أثناء قراءتي للكتاب استحضرني طوال الوقت ثلاث فئات أولاً “اليهود” وذلك لأن النازية أصلاً اتخذت اليهود كزريعة لتنسب إليها السبب في الفشل الاقتصادي والسياسي التي تمر به ليس فقط ألمانيا، ولكن أوروبا بشكل عام، وبالتالي بدأت الدعاية النازية في شيطنتهم، حتى ينزعوا عنهم صفة الإنسانية؛ وبالتالي يسهل عليهم “أي النازيين” التخلص منهم بدون مواجهة اعتراض سواء من الشعب الألماني أو المجتمع العالمي. الفئة الثانية هي “الإخوان المسلمون” في مصر، بعد ثورة 30 يونيو 2013 تصاعدت نبرة الحقد والضغينة ضدهم في المجتمع وعمل الإعلام والمتطرفين على تغذية مشاعر الكراهية من خلال نشرات الأخبار الرسمية والقنوات التليفزيونية، وتزايدت دعوات العنف والدعوة إلى قتلهم؛ مما أدى إلى “فض اعتصام رابعة العدوية” بالقوة العسكرية في 14 أغسطس 2013 ومنذ ذلك التاريخ -وحتى الآن- يتم تحميل كل الفشل الاقتصادي أو الأمني أو السياسي بشكل عام على جماعة “الإخوان المسلمون”. والفئة الثالثة هي “الفلسطينيون”، منذ النكبة عام 1948م تقوم الدعاية الصهيونية الإسرائيلية على نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين بشكل خاص والعرب بشكل عام وتصوير الأمر وكأن “البشر” الإسرائيليين يحاربون ضد “الحيوانات” الفلسطينيين، وبسبب هذه الدعاية تكوَّن عند المجتمع الغربي صورة هي أن العرب يمارسون هولوكوست ضد اليهود، ويجب علينا أن نقف بجانبهم، ونساعدهم ضد هؤلاء الإرهابيين، يقصد الفلسطينيين والعرب عامة.

    يرى “مينو تير براك” أن جميع العقائد تقوم بشكل أساسي على “الحقد والضغينة” ضد الآخر، سواء كانت تلك الأيدولوجية أو العقيدة نازية أو اشتراكية أو ديموقراطية. الضغينة تميل إلى الاختزال والتبسيط، ولا تُحمِّل صاحبها إلى مسؤولية، الأسهل على القائد أن يختزل فشله في الآخر. الفشل الاقتصادي سببه “اليهود” أو “الإخوان المسلون” وفقط. لا نحتاج إلى القيام بأي شيء آخر.

    بعض الاقتباسات
    [إذا ما ملك الحمقى زمام السلطة، سواء عبر الاقتراع العام أو الانقلاب العسكري، فكلاهما ملائم لتحويل الحمقى إلى طُغاة؛ سواء راق الأمر المثقفين المستنكفين أم ساءهم]

    [لأن الحاقد يحيا بداخل مجموعة من العبارات التي توفّر له موقفاً تجاه ذاته وتجاه الآخرين، سواء كان إيمانه بالعبارات ثانوياً أم لا، الأمر الأهم أن العبارات لا تكف تكرار “البطولة” “الدم” “الاحترام” “المجتمع” حيث يسير الحقد على هذا النحو، ما يُسمى بعقيدة [التفوق] العرقي ليست سوى الواجهة الأسلوبية للضغينة المجسدة في كبش الفداء الأبدي، اليهودي]

    [لأن الحاقد، الذي هو شبه متحضر أيضا، لا يمكن أن يكتشف في كذبه الكذب ولا في بنائه الوهم]

    [إن التبسيط في ظل النازية يتحول إلى معيار لكل شيء؛ ولا يحتمل الديكتاتور النازي أي شكل من أشكال النقد، بل ويحول الحياة جحيمًا بالنسبة لأي شخص يرجو معايير الحرية قبل كل شيء، عبر السعي إلى تناقضات جديدة دائما، واكتشافات جديدة دائمًا؛ لا تنبني الحرية في النازية إلا على الحرية المطلقة لدكتاتور دولة الضغينة المطلقة]

    [لهذا السبب يُمكننا أن نفترض أن أخشى ما تخشاه النازية كعقيدة حقد محض هو التفكك البطيء للأوهام الذي عادة ما تنتجه رؤى العالم الاختزالية في النهاية حتى بين أكثر الناس بلاهة؛ حين يدركون أن نفي اليهود، والإيمان ببروتوكولات حكماء صهيون والنواح خوفًا من “البلشفية العالمية” شعارات لم تعد تروي. ظمأ الضغينة أكثر من أية وسيلة أخرى، ويمكنني الآن أن أتصور بالتقريب في أي صورة سيكون ثأر الضغينة حين تنقلب على أنبياء الضغينة وصُنّاع معجزاتها، “القادة”، حين تنتهي النبوة وتنقطع المعجزات]

    أخيراً، الترجمة رائعة.

    ترجمة: مصطفى عبد الظاهر
    الناشر: دار صفصافة للنشر
    الطبعة الأولى 2021
    عدد الصفحات 48
    الترقيم الدولي 9789778211665

     



  • التقييم 5/5

    “عندما يكون لدينا وجهة نظر قائمة على الحقائق، بوسعنا أن نرى أن العالم ليس سيئاً كما يبدو وبوسعنا أنرى ما يتعيّن علينا القيام به للاستمرار في تحسين هذا العالم” -هانز روسلينغ

    الميزة الرئيسية لهذا الكتاب هو أن المؤلف غير متخصّص علمياً في المناخ، ومن ثم لغة الكتاب سهلة. المؤلف كان يوماً ما في موضع القارئ، شخص يسمع طوال الوقت عن الاحتباس الحراري، ويرى من يُكذِب ومَن يؤيد، ويشاهد أمامه الكثير من الأرقام، ولا يفهم معظم من المصطلحات. ما هو الحجم الحقيقي للمشكلة وهل هي بحق كما يُصوره لنا علماء ونشطاء المُناخ؟

    منذ بداية الثورة الصناعية والحديث عن تلوث المُناخ لا يهدأ، ولكن هذه المرة زاد على ذلك هو الحديث عن الاحتباس الحراري، ولذلك تقريباً جميع القوانين المتعلقة بالمُناخ، والتي صدرت في أعتاب الثورة الصناعية تتحدث عن مكافحة التلوث، وليس الاحتباس الحراري.

    بداية جائحة كوفيد-19 وبسبب التوقف شبه التام لمعظم وسائل المواصلات والمصانع أدى ذلك إلى انخفاض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 4.5% وبدأ الحديث يرتفع مرة أخرى عن مدى تأثير ذلك على البيئة والكوكب بشكل عام. لكن لفت نظري هو الاتهامات التي كانت توجّه إلى الصين باعتبارها المُسبّب الأكبر في هذه الانبعاثات واتهامها بتلويث الكوكب وتحميلها مسؤولية الاحتباس الحراري بنسبة أكبر من أي دولة أخرى، وذلك لتوسعها في استخدام الوقود الأحفوري بشكل كبير مثل الفحم والغاز الطبيعي.

    هنا شاهدتُ إجابتين مثيرتين على تلك الاتهامات، الأولى هي أن هذه الدول “المتقدمة” كل حضاراتها وتقدمها العلمي والتقني واقتصادها الكبير هو نتيجة لاستخدامهم الوقود الأحفوري منذ الثورة الصناعية حتى الآن، فهل يحق لتلك الدول أن تزدهر وتتقدّم ولا يحق لنا ذلك أيضاً؟

    الإجابة الثانية هي أن الصين والتي تُوصَف -عن حق- بأنها أكبر مصنع في العالم؛ وبالتالي أكبر مستهلك للوقود الأحفوري إنما هي وصلت لهذا الوضع ببساطة؛ لأنها تصنع ما يستهلكه العالم أجمع وبشكل خاص أمريكا وأوروبا، وليس ما يستهلكه الصينيون! فالمصانع العملاقة التي في الصين الكثير منها أساساً مصانع أمريكية وأوروبية والكثير من المصانع الصينية تصنع منتجات يتم تصديرها وبيعها للأسواق العالمية وليس الصينية. فلماذا تعاقبني على شيء أنت السبب الرئيسي فيه؟!

    الفصل 1: لماذا نقطة الصفر؟
    يبدأ “بيل غيتس” بوضع الهدف الرئيسي الذي يجب على البشرية الوصول إليه وهو الوصول من 52 مليار طن إلى صفر، فالرقم الأول يعبر عن مجموع الغازات المسببة للاحتباس الحراري سنوياً والرقم الثاني هو الهدف الذي يطمح أن نصل له قبل حدوث كارثة. ويفسّر لماذا يجب أن يكون الرقم صفر، وليس مجرد تقليل الانبعاثات وما هو تأثير الاحتباس الحراري علينا وما الضرر في زيادة درجة حرارة الكوكب درجة واحدة أو اثنتان؟ وهل حقاً هناك رابط بين الأعاصير والفيضانات والحرائق وبين الاحتباس الحراري؟

    الفصل 2: الدرب شاقّة
    قد لا يُدرك الكثير مدى حجم اعتمادنا الهائل على الوقود الأحفوري (نفط – غاز طبيعي) في حياتنا اليومية، وهذا ليس فقط متعلقاً بالدول الحديثة أو الصناعية مثل أمريكا وأوروبا والصين، بل ومستقبل الكثير من الدول الفقيرة التي تطمح للخروج من دائرة الفقر وتحسين مستوى معيشتها. فهناك الكثير من البشر لا يملكون محطات لتنقية مياه الشرب أو الزراعة أو محطات توليد كهرباء سواء للاستخدام المنزلي أو لتشغيل المصانع أو المستشفيات، “إذ لا يسعنا أن نتوقّع من الفقير أن يبقى فقيراً؛ لأن انبعاثات الدول الثرية من غازات الاحتباس الحراري كانت كثيفة” هذا بدون حتى حساب الزيادة في استهلاك الوقود الأحفوري نتيجة الزيادة السكانية في العالم، والذي يتوقع أن تصل إلى 10 مليارات نسمة بحلول نهاية هذا القرن.

    وهناك أمر آخر وهو أنه لا يوجد إجماع على كارثة الاحتباس الحراري، ولا نقصد العلماء هنا، بل السياسيين الذي لسان حال الكثير منهم “نعم، المناخ يتغيّر، ولكن الأمر لا يستحق إنفاق كثير من المال لمحاولة وقف التغيُّر المناخي أو التكيف معه. عليه، عوضاً عن ذلك، أن نعطي الأولوية لقضايا أخرى تترك تأثيراً أكبر على رفاه البشر، كالصحة والتعليم”.

    الفصل 3: خمسة أسئلة تُطرح في الحوارات كافة بشأن المناخ
    في هذا الفصل يشرح لنا المؤلف قيمة الأرقام حتى نُدرك ما وضعنا الحالي لكي ما نستطيع إيجاد حلول واقعية تمنع وقوع الكارثة. هناك 6 فئات رئيسية تمثل مجموع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وهم على التوالي:
    29% صناعة الأشياء (إسمنت وفولاذ وبلاستيك)
    26% توصيل (الكهرباء)
    22% زراعة النباتات (الأسمدة والبذور) وتربية الماشية والحيوانات
    16% التنقل (طائرات وشاحنات وسفن)
    7% الحفاظ على الدفء والبرودة (تدفئة وتكييف وتبريد)
    ومن خلال الأرقام السابقة تستطيع أن ترى أن ما كنا نتخيله عن السيارات والطائرات انهما السبب الرئيسي في الاحتباس الحراري يتضح أنهم يساهمون بواقع 16% وهو أقل مما تسببه الكهرباء والنباتات! فطوال الوقت الصورة الذهنية التي لدينا عن الكهرباء أنها طاقة نظيفة ولكننا نغفل أن محطات توليد هذه الكهرباء تعمل بالوقود الأحفوري وكذلك الأمر في صناعة الأسمدة للنباتات أو الأعلاف للماشية، ناهيك عن مكونات البناء المُستخدمة من أسمنت وفولاذ وبلاستيك لبناء المصانع والبيوت والمستشفيات والطرق والكباري والأدوات المنزلية والبنية التحتية… الخ
    لذلك في هذا الفصل ينبهنا المؤلف لضرورة الإجابة عن خمسة أسئلة محددة أثناء أي حديث عن الاحتباس الحراري ومواجهته. تلك الأسئلة ستكون بمثابة المُرشد لنا للوصول إلى الحلول الواقعية.

    الفصل 4: الوصول بالقابس (26% من 52 مليار طن في السنة)
    يركز “بيل غيتس” في هذا الفصل على “الكهرباء” والتي تساهم بنسبة 26% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ويشرح لنا بشكل ممتع حجم المشكلة وحجم التحديات على الصعيد التكنولوجي والسياسي والاقتصادي. وما هي التقنيات المتوفرة لدينا في الحاضر لتوليد الطاقة الكهربائية وجدوى كل واحدة منهم بدئاً بالفحم والغاز الطبيعي ومرورا بالطاقة الشمسية والرياح ونهايةً بالطاقة النووية سواء انشطارية أو اندماجية.

    الفصل 5: كيف نصنع الأشياء (29% من 52 مليار طن في السنة)
    في هذا الفصل يشرح “بيل غيتس” بشكل أكثر تفصيلاً فكرة في غاية الأهمية، وهي “صناعة الأشياء” فعلى سبيل المثال نحن نريد أن تتحول جميع السيارات والسفن والقطارات والطائرات (وسائل التنقل والمواصلات) من استخدام الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة (أي الكهرباء بشكل أكثر تحديداً) ولكننا لا ندرك أننا نحتاج الوقود الأحفوري لصناعة جميع وسائل التنقل والمواصلات، وذلك لأن جميع تلك الأشياء وغيرها مصنوعة حصراً من الحديد والفولاذ والبلاستيك والألومنيوم والنحاس وغيرها من المعادن. نحن نحتاج إلى مادة الأسمنت (الخرسانة) والفولاذ لبناء الطرق والجسور والكباري والسكك الحديد وأبراج الهواتف الخلوية وأسلاك شبكة الإنترنت. نحن نحتاج البلاستيك بشكل رئيسي في صناعة الأدوات الطبية والجراحية ونظارات العيون والحواسب والشاشات… الخ

    ويعرفنا أيضاً المؤلف مفهوم “العلاوة الخضراء” وكمثال يشرح ذلك المفهوم هو إذا كان لتر البنزين يساوي 1 دولار ولتر الوقود الحيوي يساوي 1.5 دولار، فإن الدولة تتحمل تكلفة الفرق بين سعر البنزين والوقود الحيوي (أي نصف دولار) مما قد يشجع الشركات والمستهلكين لاستخدام بدائل أفضل، ولكن العائق هو أن “العلاوة الخضراء” تختلف من صناعة لأخرى، وتتفاوت بشكل كبير جداً مما يجعلها شبه مستحيل تطبيقها.

    الفصل 6: الزراعة وتربية الماشية (22% من 52 مليار طن في السنة)
    كما سبق في الفصول السابقة ستندهش من معرفة أن جميع وسائل التنقل في العالم (سيارات وسفن وطائرات) يمثلون فقط 16% من حجم الانبعاثات الحرارية، وان وسائل التبريد والتكييف تمثل فقط 7%، أي أن جميع السيارات والسفن والطائرات ووسائل التبريد والتدفئة تمثل 23% من إجمالي الانبعاثات الحرارية، في حين أن الزراعة وتربية الماشية تمثل بمفردهاً 22%! ومع ذلك لا نسمع أحد يتحدث عن تقليل الزراعة أو التوقف عن تربية الماشية! هذا الفصل كان ثاني أكثر الفصول صدمة لي بعد الفصل الرابع الذي تحدث عن توليد الكهرباء.

    الفصل 7: وسائل النقل (16% من 52 مليار طن في السنة)
    في هذا الفصل بالتحديد شعرتُ وكأن “بيل غيتس” يقول لي، هل تتذكر كل المعلومات السابقة التي حدثتك عنها طوال الستة فصول السابقة عن أهمية الطاقة النظيفة وكارثة الاحتباس الحراري والانبعاثات؟ حسناً، كل هذه الحلول غير واقعية ومستحيل تطبيقها في الواقع!
    لأن النظرة العامة هي ان المشكلة في السيارات التي تعمل بالبنزين، ولكن المشكلة أعمق من ذلك، فنسبة السيارات الخاصة لا تُقارن بنسبة نقل البضائع سواء سيارات أو القطارات أو السفن أو الطائرات ومدى ارتباطها بالتجارة العالمية من مواد خام ومواد غذائية وبترول وفحم… الخ

    فالموضع أصعب مما نتخيل فالحضارة الإنسانية قامت على الوقود الأحفوري. كل ما نحن فيه الآن، أنظر حولك لترى الوقود الأحفوري في كل شيء، خرسانة وإسمنت ومعادن وبلاستيك وبنزين وفحم وكهرباء… في النظارة الطبية والثلاجة والموبايل والسيارة والمصعد والمقعد وحبه الدواء وصناعة الخبز والغذاء… كل ما يمكنك تخيله سواء في بحر أو بر أو سماء.

    الفصل 8: وسائل التدفئة والتبريد (7% من 52 مليار طن سنوياً)
    التدفئة والتبريد ليس يعني فقط أجهزة التكييف، ولكن يشمل أيضاً الأفران التي تعمل بالغاز الطبيعي (سواء لتدفئة المياه أو أفران صناعة الغذاء أو إنتاج مواد صناعية) وكما يقول الكاتب “لم يعدّ التكييف مجرّد ترف ممتع يساعد على تحمل أيام الصيف الحارة، بل أصبح الاقتصاد المعاصر يعتمد عليه”. لكن الميزة في هذا الفصل خاصة هو سهولة تقليل الانبعاثات بشكل كبير جداً فقط عن طريق الالتزام بالقوانين! فالتكنولوجيا في مجال التبريد خاصة وصل لمراحل متقدمة جداً، ولا يبقى غير أن تتبناها الشركات.

    الفصل 9: التكيّف مع عالم أدفأ؟
    عند سماع كلمة “الاحتباس الحراري” غالباً ما يتبادر إلى ذهن هو انصهار الجليد في القطب الشمالي والجنوبي وبالتالي زيادة منسوب المحيطات وحدوث فيضانات كبيرة وغرق الكثير من دول العالم، ولكن الاحتباس الحراري له أشكال كثيرة جداً بخلاف انصهار الجليد، فعلى سبيل المثال إذا كنت في دولة تعتمد الزراعة لديها على مياه الأمطار، فسيكون زيادة نسبة الأمطار كارثة ستؤدي إلى إغراق المحاصيل، أو إذا كنت في دولة لديها محاصيل تعتمد على المناخ الجاف، فحدوث الأمطار نتيجة للتغير المناخي هو بمثابة كارثة أيضاً. زيادة درجة الحرارة في بعض مناطق العالم ستؤدي إلى حدوث جفاف في التربة الزراعية؛ وبالتالي موت المحاصيل مما سيؤدي إلى تقليل كميات الغذاء المتاحة للأشخاص أو للحيوانات. نقص الغذاء عامة هو سبب رئيسي لضعف المناعة لدى البشر وبالتالي انتشار الأوبئة والأمراض وموت كثير من الأطفال نتيجة لسوء التغذية. هؤلاء الأطفال هم وقود المستقبل. اختلاف درجات الحرارة أيضاً -سواء بالزيادة أو النقصان- يؤثر على الكائنات البحرية بشكل مباشر، وبالطبع أنت ترى معي نتائج ذلك التأثير.

    وهنا يستعرض الكاتب أحد أبرز المجموعات البحثية في الزراعة على مستوى العالم وبعض إنجازاتهم في مجال الزراعة في الدول الأفريقية من خلال تطوير محاصيل معدلة وراثياً وتدريب المزارعين واستحداث تقنيات زراعية جديدة، والتي أسهمت بتحسّن كبير في معيشة الأُسر هناك. ويستعرض أيضاً بعض التقنيات المُسماة بـ “الهندسة الجيولوجية” ودورها في مكافحة الاحتباس الحراري.

    الفصل 10: أهمية السياسات الحكومية
    شهدت الخمسينيات والستينيات القرن الماضي ضجة كبير حول تلوّث الهواء خاصة بعد الحادثة الشهيرة “الضبخان الكبير في لندن عام 1952” ونتج في تلك الفترة “قانون الهواء النظيف في أمريكا” وإنشاء “وكالة حماية البيئة” عام 1970. مما يوضّح أهمية دور الحكومات في وضع السياسات المنظمة، والتي أدت بالفعل إلى نتائج مبهرة في فترة زمنية قصيرة سواء في أمريكا أو لندن أو الصين… الخ ويضع “بيل غيتس” سبعة أهداف يجب أن تكون بمثابة الخطوط العريضة التي السعي إلى تحقيقها الحكومات بشكل خاص والأفراد والشركات بشكل عام.

    1. التركيز على الثغرة الاستثمارية.
    2. تكافؤ الفرص.
    3. تخطّي الحواجز غير السوقية.
    4. البقاء على اطّلاع على آخر المستجدات.
    5. التخطيط للمرحلة الانتقالية.
    6. القيام بالأشياء الصعبة أيضاً.
    7. العمل على تكامل التكنولوجيا والسياسات والأسواق.

    الفصل 11: خطة لبلوغ نقطة الصفر
    يضع الكاتب في هذا الفصل خطة عمل للدول الثرية للوصول إلى “الصفر” بحلول عام 2050، وعلى الرغم أنه يشير إلى هدف قمة المناخ بباريس بتقليل الانبعاثات الحرارية بحلول عام 2030 إلا أن الكاتب يرى أن الهدف يجب أن يكون “الصفر” وليس “التقليل” خاصة وأنه يرى بأن العام 2030 هو هدف غير واقعي. فحجم التغيير المطلوب إحداثه من قِبل الدول العظمة “الثرية” كبير جداً ويتطلب تمويلاً ضخماً جداً. فالمطلوب للوصول إلى “الصفر” بعض التقنيات (والتي ذكرها الكاتب في الفصول السابقة بالتفصيل) وهي:

    • إنتاج الهيدروجين من دون التسبّب بانبعاث الكربون
    • إمكانية تخزين الكهرباء على مستوى الشبكة لمدة فصل بكامله
    • وقود كهربائي
    • وقود حيوي متقدم
    • إسمنت خالٍ من الكربون
    • فولاذ خالٍ من الكربون
    • لحوم ومشتقات الحليب النباتية والمصنّعة
    • أسمدة خالية من الكربون
    • انشطار نووي من الجيل الثاني
    • انصهار نووي
    • التقاط الكربون (التقاط الكربون بشكل مباشر ونقاط الالتقاط)
    • إمداد الكهرباء تحت الأرض
    • بلاستيك خالٍ من الكربون
    • طاقة حرارية جوفية
    • تخزين حراري
    • طاقة كهرومائية بالضخ
    • محاصيل غذائية مقاومةٍ لحالات الجفاف والفيضانات
    • بدائل لزيت النخيل خالية من الكربون
    • مبّردات لا تحتوي على غازات مفلورة

    تلك التقنيات تستلزم تمويل حكومي ضخم بالأساس، وذلك لأن الاستثمار في مجال الطاقة يحتاج إلى تمويل ضخم وذو مخاطر عالية وطويل الأمد؛ مما يجعله غير جاذب للقطاع الخاص. فيجب على حكومات الدول الثرية الإمساك بزمام المبادرة. وهذا ما يوضّحه الكاتب في نموذج عمل “يطبّقه على الولايات المتحدة الأمريكية” لكيفية الوصول إلى “الصفر” بحلول عام 2050.

    الفصل 12: ما يمكن أن يفعله كلٌّ منّا
    في هذا الفصل القصير جداً، والتي يُقدّم فيه الكاتب بعض النصائح التي يمكن أن نتبعها على مستوى الفرد (يقصد طبعاً الفرد في الدول الديموقراطية) والتي تبدأ بالأساس في الانخراط في السياسة، ويعني بذلك مثل التحدث إلى رؤساء البلديات والجالس التشريعية وأعضاء الكونجرس أو الترشّح لمنصب حكومي أو محلي يستطيع من خلاله إحداث فارق أو توصيل صوت.

    يمكنك أيضاً المساهمة بصفتك “مستهلك”، فحاول على قدر الإمكان أن تختار البدائل الأفضل، فمثلاً إذا كنت تمتلك جهازاً يعمل بتكنولوجيا قديمة حاول استبداله بجهاز جديد ذو كفاءة أعلى، استبدل المصابيح الكهربائية لديك بمصابيح LED. عند بنائك لمنزلك استخدم مواد عازلة حرارياً لتتجنب استهلاك طاقة مستقبلاً سواء لتبريد المنزل إذا كنت من سكان المناطق الحارة، أو تدفئته إذا كنت من سكان المناطق الباردة. حاول تقليل استهلاكك للحوم ومنتجات الألبان. إذا كان لديك القدرة المالية قم بشراء سيارة كهربائية. قم بدعم الشركات التي تستخدم طاقة نظيفة عن طريق شراء منتجاتها. قم بتمويل المشاريع الناشئة التي تحاول إيجاد حلول لطاقة نظيفة.

    للقطاع الخاص دوراً هاماً أيضاً، من خلال تبنيه مواد خام منخفضة الكربون. وعن طريق تمويله لبحوث تطوير تُزيد من كفاءة الطاقة النظيفة، فالكثير من الشركات الكبرى التزمت باستخدام الطاقة المتجددة والنظيفة في عملياتها التصنيعية واللوجستية مثل مايكروسوفت وأمازون وديزني وغوغل وميرسك MAERSK. إذا كُنت مُصنِّع لمنتج ما فحاول أن تتيح اختيار منخفض الكربون حتى وإن كان أغلى سعراً.

    خاتمة: تغيُّر المُناخ وكوفيد-19
    “علينا العمل معاً”… يمكننا أن نعتبرها كلاماً مُبتذلاً، ولكنها صحيحة. وجائحة كورونا شاهدة على ذلك، فعندما اتّحدت الشركات والحكومات معاً توصلنا لتطوير لقاحات واختبارها في وقت قياسي. لذلك علينا أن ندعم العلم. علينا أن نساعد المجتمعات لتبنّي الطاقة النظيفة، وذلك أيضاً لمصلحتنا الذاتية. لن تتوقف درجات الحرارة عن الارتفاع في ولاية تكساس إذا لم تتوقف الانبعاثات عن الارتفاع في الهند.

    نحن في حاجة أيضاً للتخطيط للانتقال إلى مستقبل خالٍ من الانبعاثات، فالدول الفقيرة ستحتاج إلى مساعدة كبيرة. وهذا الانتقال سيُحدث اضطراباً في المجتمعات التي يعتمد اقتصادها على الوقود الأحفوري بشكل رئيسي مثل تعدين الفحم، أو صناعة الفولاذ، أو الأسمنت، أو صناعة السيارات. الكثير من سائقي الشاحنات أو عمال السكك الحديد أو عمال المناجم سيخسرون وظائفهم عند التقليل من استهلاك الفحم والوقود المخصص للتنقل. عليناً مسؤولية تجاه المستقبل وستكون هناك “تكلفة” علينا كبشر أن نكون مستعدين لسدادها.

    أخيراً، الترجمة رائعة، وتصميم الغلاف سيئ.

    ترجمة: فاديا قرعان
    الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر
    الطبعة الأولى 2022
    عدد الصفحات 258
    الترقيم الدولي 9786144585726



  • التقييم 5/5

    يقولون إن السياسي البريطاني المخضرم ونستون تشرشل (1874- 1965) مر ذات يوم بقبر ما مكتوب عليه: “هنا يرقد رجل السياسة والصادق العظيم فلان”، فتوقف وتساءل مندهشاً: “كيف يُدفن اثنان معاً في قبرٍ واحد”

    يقدم الباحث “مصطفى عبيد” الجانب الآخر من السردية التاريخية المتعلقة ببعض أعلام مصر في تاريخها الحديث. هل كان “مصطفى كامل” بالفعل زعيماً مصرياً؟ ما علاقة يهود مصر بإسرائيل؟ وهل بالفعل كان “إسماعيل صدقي” عدواً للشعب؟ وماذا كان سيحدث إذا استمر “محمد نجيب” في الحكم بدلاً من “جمال عبدالناصر”؟ ماذا عن “سيد قطب” و”عبدالحليم حافظ” وقتلة الرئيس الراحل “محمد أنور السادات”؟

    الكتاب مكتوب لغة سهلة وقرائته سريعة، لكن الفصل الوحيد الذي صدمني هو الفصل الأخير عن “سليمان خاطر”.

    الغلاف جيد.

    الناشر: الدار المصرية اللبنانية
    الطبعة الثالثة: 2022
    عدد الصفحات: 248
    الترقيم الدولي: 9789777953498



  • التقييم 5/5

    هل تعرفون الفرق ما بين المتفائل والمتشائم؟ يقوم المتشائم: “يا الله، لا يمكن أن تسوءَ الأمور أكثر من هذا، بينما يقول المتفائل: “لا تكتئب هكذا، يمكن دائمًا أن تصير الأمور أسوأ”. نكته انتشرت في مدينة سراييفو أثناء الحرب الاهلية.

    يقول الكاتب “أكثر المجتمعات الصناعية تقدماً تجاوزت بالفعل مبادئ الرأسمالية، ومشغولة الآن بالتحوّل لشيء آخر” سيكون أسوأ بكثير من الرأسمالية، وأن فرصة نجاتنا ضئيلة جداً ولذلك يقدم لنا هذا الكتاب كمحاولة لمواجهة ما نحن مقدمون عليه. مشكلات مثل الاحتباس الحراري وذوبان جليد القطبين والأزمة المالية العالمية وصعود اليمين المتطرف… قد يقول بعض النقاد بأننا على الأرجح وصلنا إلى القاع، وربما نحن في طريقنا إلى النهوض، ولكن ماذا لو كنا على اعتبار سقطة هائلة إلى عالم مظلم جديد؟!

    للأسف كانت هناك في الماضي فرصة ذهبية للتطور وتجاوز الرأسمالية لنسخة أفضل، ولكن قتلت “النيوليبرالية” أي فكرة مضادة للرأسمالية، وأصبح كل شيء قابلاً للتسعير وخاضعاً لقيم السوق، وقُيِّدَت يد الدولة. حتى الذكاء الصناعي الذي نأمل أنه يعمل على تحسين جودة الحياة هناك إشارات واضحة بأننا بالفعل نستخدمه بأسوأ شكل ممكن، وذلك من خلال استخدام الذكاء الصناعي في التسليح (عسكرة الذكاء الصناعي) على سبيل المثال “الطائرات بدون طيار” أو “الدرونز” المستخدمة في أفغانستان وسوريا أو بشكل أكبر حجماً مثل الغواصة الروسية “بوسيدون” التي بوسعها “أن تجوب العالم لسنوات، دون أن تُكتشف… وبوسع ترسانتها توليد تسونامي بارتفاع 500 متر قادر على تلويث السواحل بالنظائر المشعة، وإغراق أساطيل العدو”.

    إن طوروا ذكاءً اصطناعي خارقاً، هل يمكن أن يتمرّد؟ التوقع المُقبِض أن الذكاء الاصطناعي غير الودود بالفعل قائماً بالفعل وهناك حوادث لأجهزة أليكسا وسيارات تسلا الكهربائية وبعض الآلات في المصانع تقول إن “الخوف من تمرد الذكاء الاصطناعي وتدميره للكوكب ليس له أساس من الصحة. ما قد يتحقق هو وضع أقبح بكثير”.

    “ركّز على الربح، واترك الاهتمام بحسن حال الإنسان للكنيسة والدولة” -الاقتصادي ميلتون فريدمان معترضاً على المسؤولية الاجتماعية للشركات

    الفصل الخامس أكثر ما أحببت في الكتاب بعنوان “مكاتب الكراهية” ويتحدث عن الوظائف في عصر الرأسمالية النيوليبرالية. للأسف هناك أدلة لا تدع مجالاً للشك بأن ما يحدث هو انتهاك صارخ للإنسان، حيث أصبحنا في وضع العمل 24 ساعة في اليوم بشكل مستمر سواء داخل أماكن العمل أو خارجها، فدائماً ما نتفقد البريد الإليكتروني الخاص بالعمل، ودائماً ما تردنا المكالمات الهاتفية خارج أوقات العمل. والعمل أيام الإجازات. وانتشار “السيكوباتيين” في المناصب الإدارية واستفحال ظاهرة التنمر والإيذاء النفسي من قبل المديرين تجاه الموظف، وانتشار اللهجة العدائية بشكل عام في الشركات وانتشار ظاهرة الانتحار. “يقال لنا الآن أن السؤال المهم لم يعد متى نتقاعد، بل هل سنتقاعد؟ وصار أن تعمل حتى تقع هو النموذج الطبيعي للحياة”… باختصار ما يُعرف بـ “الإيذاء الأخلاقي” وهو كما تعرفه الطبيبة النفسية السريرية “ماري فرنس هيراغويين”: إن هددك شخص أو مجموعة من الأشخاص بصورة عدوانية، سواء بالقول أو بالفعل أو حتى بالكتابة، وكانت تلك الأفعال تؤثر في سلامة كرامتك أو صحتك أو روحك المعنوية، أو سببت تدهور في بيئة العمل، أو عرّضت وظيفتك للخطر، فأنت ضحية لإيذاء أخلاقي”.

    باقي فصول الكتاب ستتحدث عن علاقة البشر بالطبيعة وما تأثيرهم على الكوكب، ويتحدث عن تعامل البشر مع الحيوانات التي يستهلكونها خاصة اللحوم والاختلاف الشديد بين ما يحدث في مزارع التسمين والألبان وبين شكل المنتج النهائي المعروض في السوبرماركت. وسيتحدث الكاتب عن دور الدولة القديم والحديث. عن الحوسبة القمعية وعن عبيد الكوبالت في الكونغو. عن التفاؤل والتشاؤم والعدمية. عن البيانات الكبيرة والخصخصة والضرائب. وسينهي كتابه بملحق عن بعض المصطلحات التي نسمعها ومدى كذبها.

    اعتبر الكتاب مجرد عرض سريع أو تبسيط لمفاهيم كثيرة جداً يصعب على غير المتخصصين أمثالي من فهمنا في الظروف العادية. الكتاب قد يكون سطحياً لمن له تعمّق في الاقتصاد والسياسة خاصة وأن كثيراً جداً من أجزاء الكتاب هي مجرد إشارة إلى مقالات صحفية، وليس لأبحاث متعمقة.

    أخيراً الترجمة رائعة والغلاف جيد.

     

    ترجمة: محمد أ. جمال
    الناشر: منشورات تكوين
    الطبعة الأولى يوليو 2020
    عدد الصفحات: 175
    الترقيم الدولي: 9789921723663



  • 34866701._SX318_

    التقييم 5/5

    لن امنحكم كراهيتي. لا أعرفكم. ولا أريد أن أعرفكم. فأنتم بالنسبة لي أرواح ميتة. وإذا كان هذا الإله الذين تقتلون من أجله بشكل عشوائي -وهو قد خلقنا على صورته- فإن كل رصاصة في جسد زوجتي هي جُرحٌ في قلبه. لا. لن أمنحكم هدية كُرهي لكم، لقد أردتم ذلك ولكن الرد عليكم بالكره والغضب يعني الاستسلام للجهل الذي جعلكم ما انتم عليه. تريدونني أن اخاف وأن أراقب من يعيشون معي في نفس الوطن بعين الريبة، وأن أضحي بحريتي من أجل أمني وسلامي… خسئتم. فحياتي ستستمر كما أريد رغماً عنكم.

    كتاب صغير جداً يتحدث فيه المؤلف “انطوان لاريس” عن وفاة زوجته “هيلينا مويال لاريس” أثناء هجوم مسلح على حفل لموسيقى الروك يوم 13 نوفمبر 2005. هو مذكرات الكاتب الشخصية خلال ثلاثة أيام تقريباً، وكيف تقبل خبر وفاة زوجته، وماذا سيفعل وحيداً بعد وفاتها مع ابنهما الصغير. رفض الكاتب حالة الخوف الذي اعترت المجتمع بسبب الحادث الإرهابي، ورفض حالة الحِداد والحزن الذي سببه الحادث. وطالب بعكس ذلك. وفي اليوم الثالث للحادث نشر مقال على “الفيسبوك” بعنوان “لن امنحكم كراهيتي – You Will Not Have My Hate” والذي حظى بانتشار واسع جداً على جميع وسائل الميديا.

    ترجمة: صابر رمضان
    الناشر: العربي للنشر والتوزيع
    الطبعة الاولى 2016
    عدد الصفحات: 144
    الترقيم الدولي: 9789773193409



  • حافظة الافلام الزرقاء

     

    التقييم 4/5

    يبدو أن الطريق كان ممهداً أمامي لأصير مخرجاً أو مصوراً أو عامل عرض أو حتى بلاسير أو بائع كازوزة في سينما، لكني صرت طبيبا في ظروف مجهولة.

    أختم هذه السنة غير السعيدة -كما بدأتها- بكتاب لدكتور أحمد خالد توفيق. رحمه الله.

    كتاب اليوم هو لمحة من الدكتور أحمد على أحد هوايته، وهي حبه وثقافته الكبيرة بعالم الفن السابع، وكان دائماً يتمنى أن يرى أعماله على الشاشة، ولكن كما يعرف ونعرف جميعاً أن ذلك لم يحدث لسببين، أولهما أنه ليس من “الشِلّة” وثانيهما أن هذا “سلو بلدنا” فنحن ندفن رجالنا، ثم نحتفي بهم بعد موتهم!

    عزاؤنا الوحيد أن دكتور أحمد خالد توفيق نال نصيباً من حب قُرّائه وهو على قيد الحياة وأكثر من مرة عبَّر أن هذا كان يكفيه وأكثر.

    الكتاب بمثابة “تبّيض” لحافظة لونها أزرق كان يحتفظ فيها المؤلف باسطوانات لبعض الأفلام المحببة لقلبه ونبذة صغيرة عن كل فيلم والظروف التي صُنع فيها. وكان قد تمنى الكاتب أن يكون لهذا الكتاب جزء ثانٍ إذا نال جزء الأول إعجاب القارئ، ولكن للأسف لم يحدث هذا (لا أعرف هل لعدم رواج الكتاب كعادة كتبه، أم لأن الزمن لم يُمهله الوقت الكافي؟).

    الكتاب مقالاته صغيرة جداً يتحدث فيها بالدرجة الأولى عن المخرج الذي أخرج هذه الروائع التي يرى أنه على كل شخص مهتم بالسينما أو الفن عموماً أن يشاهدها، ويتحدث عن الموسيقى وبعض المشاهد المؤثرة في الفيلم، ويذكر أثناء حديثه عن الفيلم -كعادته- أسماء لأفلام أخرى سواء كانت لنفس مخرج العمل أو لأشخاص آخرين. والكتاب هو بمثابة دليل مُصغّر لمن أراد أن يبدأ بتكوين ثقافة سينيمائية تجعله يسلك طريقه إلى هذا الفن الممتع.

    قبل أن تبدأ في القراءة يجب عليك تُجهّز قلم ودفتر ملاحظات لتتابع وتُسجّل كل أسماء الأفلام والمخرجين والممثلين والمؤلفين والموسيقيين الذي ستقابلهم أثناء قرائتك، الكتاب مليء بتلك الأسماء. وأيضاً لو توافر لديك موبايل فكن حريصاً على تحميل تطبيق لقراءة الـ (QR Codes) حيث سترى أكواد لمشاهدة اللقطات التي يتحدث عنها الكاتب خلال القراءة. هذه الأكواد موجود في نسخة دار كيان التي لديَّ.

    ستجد أفلام يعرفها جيداً كل شخص من جيل الثمانينات والتسعينات من أمثال: السائق التاكسي، وطارد الأرواح الشريرة، وأحدهم طار فوق عش المجانين، والطيب والشرس والقبيح… الخ وستجد أيضاً الكثير من الأفلام التي لم تسمع منها من قبل أُنْتِجَت في ما قبل فترة السبعينيات من القرن الماضي.

    في نهاية الأمر إذا كنت من جيل الألفية الثانية، ووجدت نفسك غير مهتم بتلك الأفلام، أو تراها سخيفة فلا تقلق، الكاتب نفسه يعرف هذا، بل إحدى المبررات أنه أحرق أحداث بعض الأفلام لاعتقاده [… أنك لن ترى هذا الفيلم في 80% من الحالات]. ولكن عامة لا تحرم نفسك لتقرأ عن هذه الأفلام وتشاهدها -إن أُتيحت لك الفرصة- بأعين العرَّاب.

    العيب الوحيد في رأيي وأظن أن دار النشر يقع عليها النصيب الأكبر في هذا اللوم، وهو أن المؤلف عندما كان يذكر أسماء الأفلام يذكر الاسم المُترجم (مثل السائق التاكسي، الطيب والشرس والقبيح) ولا يذكر اسم الفيلم باللغة الأصلية أو الإنجليزية. كنت أرغب في كتابة اسم الفيلم باللغة الإنجليزية -على الأقل- لتسهيل عملية البحث.

    وأختم الكتابة مثلما بدأتها، رحمة الله عليك. أو كما نحب نحن المسيحيين أن نقول عن أحبائنا الذين انتقلوا إلى العالم الآخر “الله يُنِّح نفسك يا دكتور أحمد”.

    الغلاف ممل وكذلك الخط المُستخدم (للأسف تعجبت من أن المُصمِّم هو الكاتب أحمد مراد)، ولكن غلاف نسخة “دار ليلى” كان أجمل بالتأكيد.

    كُنت أرغب لو اسم الكتاب “حافظة الأفلام الزرقاء”

    الناشر: دار كيان 2017
    عدد الصفحات: 277
    الترقيم الدولي: 9789778200171



  • d983d8aad8a8-d984d987d8a7-d8aad8a7d8b1d98ad8ae

     

    التقييم 5/5

    الكتاب الجيد هو الذي يقول لك ما كنت تعرفه بالفعل، ويُعبِّر عما في نفسك ويقول ما كنت تريد ان تقوله، وهو الكتاب الذي تجد فيه نفسك. والكتاب الجيد هو الذي يستخرج من قارئه من الأفكار ما لا يحتويه الكتاب نفسه. -كتب لها تاريخ، جلال أمين.

    هذا هو الكتاب الثالث لي مع الدكتور “جلال أمين”، ولكن هذا الكتاب هو رأي “جلال أمين” في بعض الكتب التي قرأها. يتميز أسلوب كتابة “جلال أمين” بالسلاسة والترتيب المنطقي للأفكار وسهولة الألفاظ. فإذا شاهدت لقاء تيليفزيوني مع “جلال أمين” ستجد أنه يكتب مثلما يتكلم بنفس الألفاظ ونفس الاسلوب.من أكثر المقالات التي أعجبتني المقالة التي تناقش “تربية الاطفال” ومقالته عن “صندوق النقد الدولي”. الكتاب ككل رائع وصغير الحجم. وبالتأكيد يستحق القراءة. رحمة الله على روح الدكتور جلال أمين.