
التقييم 5/5
“أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!” (الكتاب المقدس، سفر إرميا الإصحاح 12 الآية 1).
أظن أن هذا الكتاب يُعتبر مقدمة لفهم الصراع بين الفلسطيني-الإسرائيلي، ف “إيلان بابيه” هو أحد “المؤرخين الجُدد“، وهؤلاء عبارة عن مجموعة من المؤرخين يدحضون التاريخ الرومانسي لقيام دولة إسرائيل، ويفككون الأساطير التي بُنيَّت عليها الُمخِيلة الإسرائيلية (ويكيبديا).
في أعقاب حملة الإبادة الجماعية -الجديدة- التي تقوم بها إسرائيل رداً على الهجوم العسكري التي قامت به “المقاومة الفلسطينية” بتاريخ 7 أكتوبر 2023م – سمعت الكثير من الحُجج والمصطلحات التي طالما نشأت عليها منذ صغري ولكني لا أدرك معناها بشكل عميق، مثل: (وعد بلفور 1917 – النكبة 1948 – ازدواجية المعايير للعالم الغربي – الصراع بين اليهود والمسلمين – الموقف المتخاذل للحكومات العربية – القانون الدولي وحق الدفاع – حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها – فلسطين الانتدابية – قرار التقسيم 181…)، وبالطبع كأي شخص “عربي” عامة و”مصري” خاصة نشأ على صورة الشهيد “جمال الدُرّة” وابنه “محمد الدُرّة” في أثناء “انتفاضة الأقصى” في سبتمبر 2000م، وعلى قصص مذابح الإسرائيليين مثل مذبحة “دير ياسين 1948م” و”مذبحة الطنطورة 1948م” في فلسطين، ومذبحة “مدرسة بحر البقر 1970م” في مصر بالإضافة لحرب 1967م و1973م، وأخيراً كوني “مسيحي” الديانة، فأنا مُنحاز بالفطرة ضد لكل ما هو إسرائيلي. أقول “إسرائيلي” وليس “يهودي” لأني تعلَّمت مع الوقت أن “اليهود” بشر مثلي، موجودون بكل بقاع الدنيا، وكانوا موجودين في مصر (قبل طردهم من قبل نظام الرئيس جمال عبد الناصر نتيجة لحالة الهوس العنصري الذي نشأت خلال الحرب بين مصر وإسرائيل، والذين تعرضوا لتهجير قصري في مصر)، واليهودية جزءاً لا يتجزأ من الدين المسيحي والدين الإسلامي.
لم أكن أعرف أن شرق الأردن كان جزءاً من فلسطين الانتدابية (والتي قسمتها بريطانيا) وصُدِمت خلال قراءتي للكتاب من موقف الملك عبد الله (ملك الأردن) وكيف كان يتفاوض مع الصهاينة ليضمن لنفسه جزءاً من فلسطين ليحتلها في مقابل عدم الاشتباك معهم، وغض الطرف عن مجازرهم للفلسطينيين، وكيف كان يخدع الحكام العرب مُظهراً لهم أنه يحارب الصهاينة وفي ذات الوقت يتفاوض معهم للاتفاق على الغنيمة! وبالفعل استطاع الملك عبد الله أن يأخذ جزءاً من فلسطين (الضفة الغربية وتقدر ب 5860 م2 ما يمثل 21% من إجمالي أراضي فلسطين والتي فقدتها الأردن بعد ذلك في حرب 1967م) وتواطئ مع الصهاينة وتركهم يرتكبون مجازرهم ضد الفلسطينيين، على الرغم من أن الفيلق العربي (الجيش الأردني) هو الجيش الوحيد الذي كان في استطاعته مواجهة الإسرائيليين وذلك لكثرة تعداده وتدريبه وتسليحه الجيدين. فهل قررنا جميعاً (كعرب) أن نغض الطرف عن موقف الملك عبد الله واحتلاله لأراضي فلسطينية بالاتفاق مع الإسرائيليين وذلك لأنه “مُسلم”؟ هل نقبل باحتلال الأراضي الفلسطينية لأن الأول مسلم (الأردن) ونحارب الثاني لأنه يهودي (إسرائيل) والثالث لأنه مسيحي (بريطانيا)؟! هذا ناهيك عن موقف الجيش العراقي والسوري، خاصة الجيش السوري الذي وقف متفرجاً على الحدود ليحمي فقط احتمالية أخذ الإسرائيليين لأراضي الجولان (والذي حدث بعد ذلك وكأنه عقاب إلهي لموقفه المتخاذل). وبالطبع لا ننسى موقف مصر -والعرب عامة- والتي قررت التحرك بعد ما تم تهجير ما يفوق 250000 فلسطيني (هذا إن كنت تنظر إلى أعداد الشهداء بعد طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023م وتتساءل في تعجب، متى يتحرك العرب؟) فالحكومات العربية كما يقول إيلان بابيه: “بلغ الحديث الطنان عن الحرب في العالم العربي ذروة جديدة. لكن الحكومات العربية بصورة عامة لم تذهب إلى ما هو أبعد من الكلام عن الحاجة إلى إنقاذ فلسطين” ص128، “غير أنهم ماطلوا، بقدر ما استطاعوا، وأجّلوا التدخل العسكري المحتم. وعندما تدخلوا كانوا سعداء بإنهائه بأسرع وقت ممكن، كانوا يعرفون تمام المعرفة لا أن الفلسطينيين قد هُزموا فحسب، بل أيضاً أنه لا توجد فرصة أمام جيوشهم في مواجهة مع القوات اليهودية المتفوقة” ص129، “لم يكن هناك نقص في المتطوعين. كثيرون في الدول العربية المحيطة بفلسطين تظاهروا ضد تقاعُس حكوماتهم عن العمل، وآلاف من الشبان كانوا راغبين في التضحية بحياتهم من أجل الفلسطينيين” ص130، وعن الملك عبد الله يقول إيلان بابيه: “في اليوم الأخير من أيار/مايو، قام متطوعون عرب وبعض الوحدات النظامية بمحاولة أخيرة لاستعادة بعض القرى التي كانت ضمن حدود الدولة العربية المرتقبة، لكنهم فشلوا في ذلك. فالقوة العسكرية التي واجهتهم (الإسرائيليون) لم يكن هناك من يمكن أن يكون نداً لها سوى جيش محترف مدرب جيداً، مثل الفيلق العربي (الجيش الأردني). لكن الفيلق دافع فقط عن تلك الأجزاء من الضفة الغربية التي اعتقد الملك عبد الله أنها يجب أن تكون حصته من الغنيمة في مقابل عدم دخوله المناطق التي عقدت الحركة الصهيونية العزم على جعلها جزءاً من الدولة اليهودية. وقد احترم الملك عبد الله وعده حتى نهاية الحرب” ص157، فلا عجب أمس أو اليوم أو غداً من موقفهم. فالجيوش العربية ذات التسليح القديم (منذ الحرب العالمية الأولى) وانعدام التدريب (عدم دخولهم حروب بعكس الإسرائيليين الذين شاركوا قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية) وعدم وجود قيادة حقيقية لم يمثلوا أي تهديد للإسرائيليين. بعكس العصابات المسلحة الإسرائيلية مثل الهاغاناه وبلماخ وشترين والأرغون (أصبحوا بعد ذلك الجيش الإسرائيلي) كانت لديها سلاح مُتقدم من التشييك والاتحاد السوفيتي ولديها سلاح مشاة وطيران ومدفعية وكوماندوز ذو تدريب عالي الكفاءة على التحكم ووضع الخطط الحربية واستراتيجيات الهجوم والدفاع مما ساعدهم في مدة قصيرة (من ديسمبر 1947 حتى يونيو 1948 أي سبعة أشهر) على احتلال 55.7% من إجمالي الأراضي الفلسطينية (15000 م2 كدولة يهودية بموجب قرار تقسيم الأمم المتحدة)، و60% من الأرضي المخصصة للعرب (كانت المساحة المخصصة للدولة العربية بموجب قرار تقسيم الأمم المتحدة 11000 م2 وتمثل 42.3% من مساحة فلسطين الكلية) ومدينة القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة (كانت تشكل 1% من الأراضي الفلسطينية وكان من المفترض أن تخضع لسيطرة الأمم المتحدة). واستطاعت مصر في العام التالي 1949م استرداد (احتلال) غزة واشتبكت الأردن مع الإسرائيليين بقوة واحتلال القدس الشرقية (تُعرف حالياً بالضفة الغربية) وذلك لأن الإسرائيليين كانوا سينقضون اتفاقهم مع “الملك عبد الله” والتراجع عن إعطائه (الضفة الغربية) وفقاً لاتفاقهم المسبق!
بريطانيا بشكل خاص هي سبب رئيسي في هذا الوضع، كانت بريطانيا تمتلك قوات عسكرية في فلسطين تعدادها 100 ألف جندي، وكانت تستطيع أن تردع الصهاينة بلا شك، ولكن على العكس من ذلك قامت بتدريبهم عسكرياً وتركت لهم مخازن أسلحة وذخيرة ومعسكرات تدريب، بل وشاركت الصهاينة في عمليات التهجير القصري للقرى الفلسطينية. وقتها لم يكن يوجد شيء اسمه الجيش الإسرائيلي، فحقيقة الأمر أن مجموعة من الميليشيات المسلحة مثل الهاناغاه وبلماخ والأرغون وشترين تم تقنين وضعها لتصبح لديها الغطاء القانوني لقتل الفلسطينيين والعرب بدون مسائلة. هذه الميليشيات كانت لديها مدافع ودبابات وطائرات، فتخيل مثلاً أن “داعش” لديها سلاح مدفعية وجوية وكوماندوز وسلاح من روسيا والتشييك، فماذا سيكون رد فعل العالم الغربي؟ قد تستغرب من تشبيهي لهم بـ “داعش” ولكن عندما ترى قوات عسكرية تقوم بقصف المستشفيات والصيدليات والمدارس ومخابز الخبز ومحطات المياه والكهرباء وتلويث آبار مياه الشرب وحرق الأشجار وزراعة المتفرجات في البيوت التي تم تهجير أهلها حتى لا يعودون مرة أخرى وقتل الذكور من 10 سنوات حتى 50 سنة، فهل تستطيع القول إن هذه قوات “جيش نظامي” يلتزم بقواعد قتال؟ بل السؤال الأصعب، هل “داعش” فعلت مثل الصهاينة؟
بعد الحرب العالمية الثانية كان العالم الغربي (أوروبا وروسيا بالأخص) ضاق صدره من اليهود ويريد التخلص منهم بأي تكلفة، فلم يستقبلهم ودفعهم دفعاً لأن يذهبوا إلى فلسطين، ولذلك سهلوا لهم كل شيء وساعدوهم في التمويل والتسليح والهجرة إلى فلسطين والتدريب العسكري والدعم السياسي العالمي وغض الطرف عن مجازرهم للفلسطينيين، ولم يكن لديه مانع في إعطائهم نصف أراضي فلسطين.
الكتاب يطرح أسئلة أكثر مما يطرح من إجابات، هل فلسطين دولة مستقلة منذ البداية أم هي أراضي كانت تتبع الإمبراطورية العثمانية، ثم انتقلت إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى نتيجة ما يُعرف بـ “اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916م” التي أعادت ترسيم حدود الأراضي الواقعة تحت سلطة الإمبراطورية العثمانية المُنهزِمة وتقسيم أراضيها بين إحدى الدول العُظمى: أمريكا، وروسيا، وإنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، وكانت أراضي فلسطين من نصيب “بريطانيا”؟ ألم يكن هناك دولة (عربية) فلسطينية يعيش بها مسلمون ومسيحيون ويهود لهم عملة نقدية وجواز سفر ولغة رسمية… إلخ؟ لماذا يرفض الفلسطينيون الإسرائيليون “اليهود”؟ لماذا يكره الإسرائيليون الفلسطينيون؟ لماذا يَعرضون الأمر وكأنهم يتعرضون لـ “هولوكوست عربي” يريد التخلص من اليهود جميعاً؟، وما هو موقف العرب حينها؟ المفكر إدوارد سعيد في رده على السؤال التالي “هل للصهيونيين نصيب تاريخي في أرض إسرائيل؟” أجاب “طبعاً، لكني لن أخُلص إلى أن نصيب اليهود (أو الصهيونيين) هو النصيب الوحيد…” أين أبدأ إذن؟
“أحلك الأماكن في الجحيم مخصصة لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في أوقات الأزمات الأخلاقية” دانتي أليغييري، الكوميديا الإلهية
خلال متابعتي للميديا شاهدت الكثير من “المؤثرين” العرب وغير العرب، يدعمون القضية الفلسطينية، ويفضحون الإسرائيليين من خلال خطابهم للمجتمع الغربي بلغة إنجليزية جيدة وثقافة تاريخية ومنطق إنساني وإلمام بالقوانين الدولي وكيف أنه بسببّهم بدأ الكثير يعرف عن فلسطين، ويُغيِّر رأيه بعدما اكتشف كذب الدعاية الصهيونية الإسرائيلية، ورأيت التظاهرات الداعمة للفلسطينيين في كل بقاع العالم الغربي، وفي بريطانيا مثلاً أُقِيلَت وزيرة الداخلية بسبب تصريحاتها الواصفة لتلك المظاهرات بأنها “مسيرات كراهية” وطلبها للشرطة لكيما يمنعوا المتظاهرين، ولكن جاء رد الفعل العكسي من الشرطة ومن الشعب بتنظيم أكبر مسيرة في تاريخ بريطانيا في حماية رجال الشرطة، ونتج عنها إقالة تلك الوزيرة. أشاهد كل تأثير هؤلاء في المجتمع العالمي، ويتكرر سؤال في عقلي، هذا السؤال الذي سأله الرئيس المصري -مستنكراً- عبد الفتاح السيسي بـ “ماذا ينفع التعليم في وطن ضائع؟!” أظننا نرى جميعاً ماذا صنع الجهل في وطننا الضائع.
لا شك في إجرام الإسرائيليون، ولكن كيف استطاعت مجموعة صغيرة من البشر لا يتجاوز عددهم عام 1948م عدة آلاف في احتلال ما يزيد عن 70% من فلسطين التي بالإضافة إلى سكانها العرب البالغ عددهم أكثر من مليون وأربعمائة ألف نسمة فبريطانيا وقتها كانت لديها قوات عسكرية قوامها 100 ألف عسكري؟ وأرجو كعرب أن نتعلم كيف فعلها الصهاينة. فعلوها بالإخلاص والتخطيط العلمي. نعم. ولا عجب. إخلاصهم للهدف (احتلال فلسطين لتكون دولة لليهود) ثم تخطيط العلمي أو كما مثل التعبير الإسلامي “أخذهم بالأسباب”. فعلى سبيل المثال إنشاء جهاز استخباراتي يقوم بعمل ملفات تفصيلية عن القرى الفلسطينية، ولتدرك معنى كلمة “تفصيلية” فيكتب إيلان بابيه: [تتضمن الملفات في فترة ما بعد سنة 1943م وصفاً مفصلاً للزراعة وتربية الحيوانات، وللأراضي المزروعة، ولعدد الأشجار في المزارع، ولنوع وجودة الفواكه في كل بستان (وحتى كل شجرة مفردة)، ولمعدل مساحة الأراض بالنسبة إلى كل عائلة، ولعدد السيارات، ولأصحاب الدكاكين، وللعاملين في الورشات، ولأسماء الحرفيين في كل قرية ونوع مهاراتهم. وفي وقت لاحق، أُضيف إلى ذلك تفصيلات دقيقة جداً عن كل حمولة وانتماءاتها السياسية، والفوارق الطبقية بين الأعيان والعامة، وأسماء الموظفين العاملين في دوائر الحكومة الانتدابية… مع حلول 1945م مزيداً من التفصيلات، مثل وصف المساجد في القرى وأسماء الأئمة فيها، مع صفات مثل “هو رجل عادي”، بل حتى وصف دقيق لغرف الاستقبال داخل بيوت هذه الشخصيات. ومع اقتراب فترة الانتداب من نهايتها، أصبح جمع المعلومات موجهاً بصراحة نحو المعطيات ذات الطابع العسكري، مثل: عدد الحراس (معظم القرى لم يكن لديه أي حراس)، وكمية الأسلحة الموجودة ونوعيتها (بصورة عامة قديمة، أو حتى لا وجود لها)… أين يقطع المختار، وأين يقع الجامع، وأين يسكن أغنياء القرية، ومن كان نشيطاً في ثورة 1936م… أّما آخر تحديث لملفات القرى فقد جرى في سنة 1947م وكان التركيز فيه على إعداد قوائم بالأشخاص “المطلوبين” في كل قرية… من انخرط في الحركة والوطنية الفلسطينية، ووجود علاقات وثيقة بزعيم الحركة، المفتي الحاج أمين الحسيني، والمشاركة في أعمال عدائية ضد البريطانيين والصهيونيين. وكان هناك أسباب أخرى لإدراج أسماء في القوائم، تستند إلى مزاعم مثل: “يُعرف عنه أنه سافر إلى لبنان”، أو “اعتقلته السلطات البريطانية لأنه عضو في اللجنة القومية في القرية”] هذا مجرد جزء بسيط من التخطيط الصهيوني، فهل ترى مدى المجهود والعلم هنا؟ هل عرفت لماذا يهزموننا حتى الآن؟ المرة الوحيدة التي استطعنا أن نتفوق عليهم ونهزمهم كانت في حرب 1973م، هي عندما “أخذنا بالأسباب”. فعلنا مثلهم بالضبط فقد تمسكنا بالإخلاص والتخطيط العلمي وليس مجرد الشعارات الفارغة والأحاديث الطنانة وأهل الثقة من أمثال “برقبتي يا ريس” (ولنا في عهد جمال عبد الناصر والمشير عامر قدوة) وحققنا الانتصار. أمر آخر ساعد الإسرائيليين في نجاحهم علينا هو غباء السياسة العربية، فلا يوجد تفاوض أو خطاب سياسي عربي واقعي، وحالة من الاستعلاء الكبرياء والرفض بشكل عام ودائم! في حين أن الإسرائيليين طوال الوقت يخاطبون الغرب ويتوددون له ويقنعون الغرب بأنهم ضحية ويجب أن يقفوا بجانبهم ويدعموهم وأن مصالح الغرب مع الإسرائيليين وليس العرب وحملات تمويل لرجال السياسة والأحزاب السياسية الغربية والمشاركة السياسية وتشكيل جماعات ضغط “لوبي” وتبنّي لغة سياسية تستهدف العقل الغربي بعكس العرب الذين لا يتحدثون إلا إلى أنفسهم ويرون كل هؤلاء مجرد كفار وبلا يجب التعامل معهم. مرة أخرى كلمة السر “الأخذ بالأسباب”.
جزئية أخرى مهمة أراها الآن من خلال متابعتي للميديا التي تتحدث عن ما يدور داخل المجتمع الإسرائيلي بعد طوفان 7 أكتوبر 2023م، وهي أنه لا يوجد شيء اسمه “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” فلك أن ترى برامج على اليوتيوب تقوم بترجمة ما تتحدث عنه الصحافة الإعلام الإسرائيلي مثل: “برنامج شو قالوا بالعبري من تقديم ليلى عبده” وبرنامج “المخبر الاقتصادي من تقديم الدكتور أشرف إبراهيم” وبرنامج “نعرف من تقديم الصحفي سيد جُبيل” وترى بعينيك كيف أن الاعلام المرئي والمكتوب يهاجم الحكومة ونتنياهو ويتظاهرون ويطالبون بمحاكمتهم، وكيف ترى مثلاً الصحافة الإسرائيلية تنشر تحقيقات تكشف كيف أن الإسرائيليون قتلوا يهود يوم 7 أكتوبر بالخطأ، والنشر الدائم لفشل الصهاينة في حربها على غزة وقتل القوات الجوية الإسرائيليين للجنود الإسرائيليين بالخطأ، وتستطيع أن ترى مقاطع الفيديو للقنوات التليفزيونية الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية التي يظهر فيها المُتطرف الإسرائيلي التي يطالب بالقضاء على العرب جميعاً ويقف في صف نتنياهو والمنتقد لإسرائيل والساخر من فشل إسرائيل والحكومة والجيش في القضاء على المقاومة الفلسطينية. هذا فقط في إسرائيل، فما بالك في باقي دول العالم. ولتقارن ذلك بـ (كــــــل) الدول العربية، ولن أقول أكثر من ذلك.
“هكذا استعان بأستاذ تاريخ هو أحمد صفوان وأستاذ أديان مقارنة وأديب، كلهم من العرب المقيمين في الولايات، قال لهم: أريد تاريخًا مزيفًا!” أحمد خالد توفيق، رواية شآبيب
في نهاية الكتاب يتعرض الكاتب لموضوع خطير بشكل عام، ويزداد خطورة بشكل خاص في عالمنا العربي وهو “تزييف التاريخ”، فإسرائيل تقوم بشكل مِتعمَد بتغيير الرواية التاريخية لأحداث النكبة بل وتاريخ فلسطين أو كما يسميها إيلا بابيه “إعادة ابتكار فلسطين”، وذلك من خلال لجنة رسمية تُسمى “لجنة التسميات الرسمية”، وهي لجنة تأسست عام 1920م مكونة من مجموعة الخبراء بعلم الآثار والعلوم التوراتية ومهمتها هي “عبرنة جغرافية فلسطين” أي إطلاق أسماء عبرية على الأماكن والأراضي التي كان اليهود يشترونها قبل النكبة أو استولوا عليها خلال وبعد النكبة. وحولها بن-غوريون عام 1949م إلى شعبة تابعة ل “الصندوق القومي اليهودي” وهو الصندوق الذي كان منوط به شراء الأراضي الفلسطينية والذي أصبح الهيئة الرسمية للتي تمتلك كل الأراضي الفلسطينية التي أستولت عليها إسرائيل ويضع القوانين المتعلقة ببيع وشراء وإيجار الأراضي.
من خلال “لجنة التسميات الرسمية” و”الصندوق القومي اليهودي” تقوم إسرائيل بتهويد (إطفاء الطابع اليهودي) على فلسطين باستبدال جميع الأسماء العربية للمناطق والشوارع والجبال بأسماء عبرية، وحتى استبدال النباتات الطبيعية بنباتات أخرى غريبة عن الجغرافية الفلسطينية ويسرد الصندوق القومي اليهودي من خلال موقعة الاليكتروني بسرد تاريخ خيالي ومُضلّل عن الأماكن والحدائق العامة ويتعمّد إخفاء أسمأء القرى الفلسطينية والشوارع التي تقوم على أنقاضها أماكن عامة مثل الحدائق العامة (غابة بيريا، وحديقة رامات مِنَشّيه، وغابة القدس) هذا بالطبع بخلاف الأبحاث العلمية في الجامعات الإسرائيلية.
إسرائيل تتابع الشأن العربي بدقة، تقوم بمشاهدة أفلامه ومسلسلاته وترجمة الأدب والسياسية العربية والقيام باستثمارات مالية ضخمة مع العرب وتبيع للحكومات العربية تكنولوجيا أمنية وزراعية وسياحة وشركات متعددة الجنسيات وتشتري من العرب مواد غذائية ولديها مراكز بحثية وقامت بالتطبيع مع الكثير من الدول العربية (كانت لديها مشاورات مع السعودية لولا طوفان الأقصى الذي خرب عليها الأمر) إلى آخره. حسناً، متى آخر مرة شاهدنا -كعرب- فيلم أو مسلسل إسرائيلي؟ قرأنا رواية أو قصة إسرائيلية؟ قرأنا صحافة إسرائيلية؟ كم كتاب أو بحث عن إسرائيل؟
هذا الكتاب مهم جداً، وكما قُلت، يُشكِّل مقدمة جيدة لفهم عمق القضية الفلسطينية. لا يوجد لدي أدنى شك في زوال هذا الاحتلال وأقول ذلك ليس من منطلق إيماني فقط، ولكن أيضاً من منطلق قوانين الطبيعة. إن كنت شاهدت الحلقة البديعة لبرنامج “الدحيح” بعنوان “فلسطين: حكاية الأرض” فأقول لك أنها تمثل مجرد المقدمة لهذا الكتاب. الكتاب مؤلم جداً وطوال قراءتي وأنا أزداد غضباً على الفرص الضائعة وحالنا المُخزي ووضعنا المأساوي. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الكاتب إسرائيلي، فما بالك لو كان الكاتب فلسطيني، كيف كانت ستكون التفاصيل أكثر دقة واللغة أكثر إيلاماً.
أخر شيء يجب أن ننتبه له، وهذا نابع كوني “مسيحي” الديانة، وهي أنه دائماً الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي كصراع بين الديانة اليهودية والديانة الإسلامية ويتم تجاهل (بدون قصد) المسيحيين! ولكن من خلال الكتاب ترى كيف أن المسيحيين في كل مرة يتم إغراؤهم بعدم طردهم من القرى في مقابل التعامل مع الإسرائيليين أو إمضاء اتفاقيات معهم كانوا يرفضوا بشكل قاطع ويختاروا جيرانهم وإخوتهم المسلمين مما كان يعرضهم للقتل والترحيل والتعذيب مثل المسلمين تماماً وذلك بعكس “طائفة الدروز” الذين اختاروا التعاون مع الصهاينة وحملوا السلاح معهم وأرشدوهم على القرى الفلسطينية والفلسطينيين وأملاكهم. فالصهاينة دائماً يصورون الصراع وكأنه صراع ديني حتى يستطيع استدراج الغرب المسيحي أو الملحد (الذي يتبنى العلمانية بشكل عام) لصفه وفي هذه الساحة يخسر الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص لما يتعرض له من هجوم شديد منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، فلك أن تعرف أنه تم فرض تغيير جزري في المناهج التعليمية السعودية بحذف كثير من النصوص التي تتحدث عن “الجهاد” وبالأخص نصوص للعالم الإسلامي الأشهر “ابن تيمية”، فالغرب استغل احداث “الحادي عشر من سبتمبر” ليضغط على الحكومات العربية ويحمّلها نتائج الفعل الإرهابي وجعلهم يدعمون أشخاص وهيئات ومؤسسات لا تقوم بشيء غير مهاجمة الدين الإسلامي وتشويهه. بالتالي عندما أرى كعربي بشكل عام ومسيحي بشكل خاص انه يتم جاهل تاريخي في هذا الصراع وهذه الأرض يصيبني الغضب قبل الحزن، فأنا خير مثال أن الصراع ليس ديني، بدليل أنني جنباً إلى جنب أخي المسلم أنزف معه وأموت معه فلماذا تجاهلني؟ أرجوك أن تتحدث عني، بل وأرجوا أن تجعلني متحدثاً رسمياً بالنيابة عنك، فذلك سيجعل الغرب يرى حقيقة الأمر بأنه دفاعاً عن أرض ومحاولة لاسترداد تاريخ وليس حرب دينية لأننا مسلمين نكره اليهود!
أخيراً، فلسطين ليست رفاهية. فلسطين هي الحدود الملاصقة لكل من مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان. المسيح فلسطيني. أول قِبّلة للصلاة في الإسلام هي فلسطين. فلسطين جزء أساسي من الحضارة الإنسانية والتاريخ البشري فاليهودية والمسيحية والإسلام يمثلوا الآن ما يزيد عن 4.1 مليار نسمه. أما إسرائيل فهي سُبّه في وجه البشرية عامة والعرب خاصة. فلسطين هي الجرح الدامي في قلوبنا.
حين ترى فلسطيني يصرخ في وجهك ويعاتبك على فرحتك في عمليات المقاومة الفلسطينية بينما هو وعائلته تموت جوعاً وعطشاً وألماً فلا تغضب. أنت لستَ في موضعه. أنت جالس على سريرك في الدفأ وتشاهد عبر شاشة الهاتف مقاطع المقاومة الفلسطينية وتطَرُب فرحاً، أما هو فيجلس في البرد القارص لا يجد طعام أو ماء دافئ أو شاش يُضمّد به جراحه أو مكان خلاء يقضي فيه حاجته. يرى أطفاله وأحبّاءه أشلاء لا يستطيع حتى أن يذهب ليدفنهم. أسرته تموت بالبطيء أمام عينه فلا يوجد علاج يوقف النزيف أو يُسكِّن الألم وليس في استطاعته أن يفعل شيء لهم ليخفف عنهم. وأيضاً لا تنسى المرابطين المجاهدين ولا تتبنى الرواية التي تقوم على شيطنتهم والادعاء بأنهم لا يهتمون بموت الفلسطينيين، فهؤلاء يقدمون أرواحهم في سبيل تحرير الأرض.
فكما قال “وائل الدحدوح”: “معلش” فهذه كما قال “الشيخ نزار ريان”: “متعيطش يا زلمة… هذه أرض جهاد” وأحب أن أقتبس قول شاب فلسطيني: “الي بركض حافي من دار لدار يخبط دبابة ولا جرافة هادا إلي بنعوِّل عليه مش إلي قاعد بعيط وبقول الحق عالمقاومة وع حماس الي وصلتنا لهنا”
السبب هم الصهاينة، من قتل وأباد ورحّل وعذّب وسجن ومنع الغذاء والماء والدواء والحياة بشكل عام هي المحتل الصهيوني الإسرائيلي وليست المقاومة. وأرجو من الفلسطينيين أن لا يأخذونا بذنب حكوماتنا.
الترجمة ممتازة٫ والغلاف مؤلم
ترجمة: احمد خليفة
الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية
الطبعة الثانية: يناير 2022
عدد الصفحات 347
الترقيم الدولي 9786144480908

اترك رد